البداية والنهاية — صفحة 194
أولاده ، واستدعى بأم المقتدر ( 1 ) وهي مريضة بالاستسقاء ، وقد تزايد بها الوجع من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتله ، وكيف بقي مكشوف العورة . فبقيت أياما لا تأكل شيئا ، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئا يسيرا من الخبز والملح ، ومع هذا كله استدعى بها القاهر فقررها على أموالها فذكرت له ما يكون للنساء من الحلي والمصاغ والثياب ، ولم تقر بشئ من الأموال والجواهر ، وقالت له : لو كان عندي من هذا شئ ما سلمت ولدي [ للقتل ] ( 2 ) . فأمر بضربها وعلقت برجليها ومسها بعذاب شديد من العقوبة ، فأشهدت على نفسها ببيع أملاكها ، فأخذه الجند مما يحاسبون به أرزاقهم . وأرادها على بيع أوقافها فامتنعت من ذلك وأبت أشد الاباء . ثم استدعى القاهر بجماعة من أولاد المقتدر منهم أبو العباس وهارون والعباس وعلي والفضل وإبراهيم ، فأمر بمصادرتهم وحبسهم ، وسلمهم إلى حاجبه علي بن بليق ، وتمكن الوزير علي بن مقلة فعزل وولى ، وأخذ وأعطى أياما ، ومنع البريدي من عمالتهم . وفيها توفي من الأعيان : أحمد بن عمير بن جوصا أبو الحسن الدمشقي أحد المحدثين الحفاظ ، والرواة الايقاظ . وإبراهيم بن محمد بن علي بن بطحاء بن علي بن مقلة أبو إسحاق التميمي المحتسب ببغداد ، روى عن عباس الدوري وعلي بن حرب وغيرهما ، وكان ثقة فاضلا . مر يوما على باب القاضي أبي عمر محمد بن يوسف والخصوم عكوف على بابه والشمس قد ارتفعت عليهم ، فبعث حاجبه إليه يقول له : إما أن تخرج فتفصل بين الخصوم ، وإما أن تبعث فتعتذر إليهم إن كان لك عذر حتى يعودوا إليك بعد هذا الوقت . أبو علي بن خيران الفقيه الشافعي ، أحد أئمة المذهب ، واسمه الحسين بن صالح بن خيران الفقيه الكبير الورع . عرض عليه منصب القضاء فلم يقبل ، فختم عليه الوزير علي بن عيسى على بابه ستة عشر يوما ، حتى لم يجد أهله ماء إلا من بيوت الجيران ، وهو مع ذلك يمتنع عليهم ، ولم يل لهم شيئا . فقال الوزير : إنما أردنا أن نعلم الناس أن ببلدنا وفي مملكتنا من عرض عليه قضاء قضاة الدنيا في المشارق والمغارب فلم يقبل . وقد كانت وفاته في ذي الحجة منها ، وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية بما فيه كفاية . ( 1 ) المقتدر والقاهر ليسا من أم واحدة . فالمقتدر أمه أم ولد واسمها شغب . وأم القاهر أم ولد اسمها قتول وقيل فتنة ( مآثر الإنافة 1 / 281 ) . ( 2 ) من ابن الأثير 8 / 245 .