تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
صاحبي فشتمه الوزير وشتم صاحبه مؤنسا ، وأمر بضربه ومصادرته بثلاثمائة ألف دينار ، وأخذ خطه بها ، وأمر بنهب داره ، ثم أمر الوزير بالقبض على أقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه . فحصل من ذلك مال عظيم ، وارتفع أمر الوزير عند المقتدر ، ولقبه عميد الدولة ، وضرب اسمه على الدراهم والدنانير ، وتمكن من الأمور جدا ، فعزل وولى ، وقطع ووصل أياما يسيرة ، وفرح بنفسه حينا قليلا . وأرسل إلى هارون بن عريب في الحال ، وإلى محمد بن ياقوت يستحضرهما إلى الحضرة عوضا عن مؤنس ، فصمم المظفر مؤنس في سيره فدخل الموصل ، وجعل يقول لأمراء الاعراب : إن الخليفة قد ولاني الموصل وديار ربيعة . فالتف عليه منهم خلق كثير ، وجعل ينفق فيهم الأموال الجزيلة وله إليهم قبل ذلك أيادي سابغة . وقد كتب الوزير إلى آل حمدان وهم ولاة الموصل وتلك النواحي يأمرهم بمحاربته ، فركبوا إليه في ثلاثين ألفا ، وواجههم مؤنس في ثمانمائة من مماليكه وخدمه ، فهزمهم ولم يقتل منهم سوى رجل واحد ، يقال له داود ، وكان من أشجعهم ، وقد كان مؤنس رباه وهو صغير . ودخل مؤنس الموصل فقصدته العساكر من كل جانب يدخلون في طاعته ، لاحسانه إليهم قبل ذلك . من بغداد والشام ومصر والاعراب ، حتى صار في جحافل من الجنود . وأما الوزير المذكور فإنه ظهرت خيانته وعجزه فعزله المقتدر في ربيع الآخر منها ، وولى مكانه الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات ، وكان آخر وزراء المقتدر . وأقام مؤنس بالموصل تسعة أشهر ، ثم ركب في الجيوش في شوال قاصدا بغداد ليطالب المقتدر بأرزاق الأجناد وإنصافهم ، فسار - وقد بعث بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشماسية ببغداد ، وقابله عنده ابن ياقوت وهارون بن عريب عن كره منه . وأشير على الخليفة أن يستدين من والدته مالا ينفقه في الأجناد ، فقال : لم يبق عندها شئ ، وعزم الخليفة على الهرب إلى واسط ، وأن يترك بغداد إلى مؤنس حتى يتراجع أمر الناس ثم يعود إليها . فرده عن ذلك ابن ياقوت وأشار بمواجهته لمؤنس وأصحابه ، فإنهم متى رأوا الخليفة هربوا كلهم إليه وتركوا مؤنسا . فركب وهو كاره وبين يديه الفقهاء ومعهم المصاحف المنشورة ، وعليه البردة والناس حوله ، فوقف على تل عال بعيد من المعركة ونودي في الناس : من جاء برأس فله خمسة دنانير ، ومن جاء بأسير فله عشرة دنانير . ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدم فامتنع من التقدم إلى محل المعركة ، ثم ألحوا عليه فجاء بعد تمنع شديد ، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفروا راجعين ، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه ، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس علي بن بليق ، فلما رآه ترجل وقبل الأرض بين يديه وقال : لعن الله من أشار عليك بالخروج في هذا اليوم . ثم وكل به قوما من المغاربة البربر ، فلما تركهم وإياه شهروا عليه السلاح ، فقال لهم : ويلكم أنا الخليفة . فقالوا : قد عرفناك يا سفلة ، وإنما أنت خليفة إبليس ، تنادي في جيشك من جاء برأس فله خمسة دنانير ؟ وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض ، وذبحه آخر وتركوا جثته ، وقد سلبوه كل شئ كان عليه ، حتى سراويله ، وبقي مكشوف العورة مجندلا على الأرض ، حتى جاء رجل فغطى عورته بحشيش ثم دفنه في موضعه وعفا أثره ، وأخذت المغاربة رأس المقتدر على خشبة
البداية والنهاية — صفحة 191 | ابن كثير / علي شيري