وتارة يلبس لباس الأجناد ويعاشر أبناء الأغنياء والملوك والأجناد . وقد رآه بعض أصحابه في ثياب رثة
وبيده ركوة وعكازة وهو سائح فقال له : ما هذه الحالة يا حلاج ؟ فأنشأ يقول :
لئن أمسيت في ثوبي عديم * لقد بليا على حر كريم
فلا يغررك أن أبصرت حالا * مغيرة عن الحال القديم
فلي نفس ستتلف أو سترقى * لعمرك بي إلى أمر جسيم
ومن مستجاد كلامه وقد سأله رجل أن يوصيه بشئ ينفعه الله به . فقال : عليك نفسك إن لم
تشغلها بالحق وإلا شغلتك عن الحق . وقال له رجل : عظني . فقال : كن مع الحق بحكم ما
أوجب . وروى الخطيب بسنده إليه أنه قال : علم الأولين والآخرين مرجعه إلى أربع كلمات : حب
الجليل وبغض القليل ، واتباع التنزيل ، وخوف التحويل .
قلت : وقد أخطأ الحلاج في المقامين الأخيرين ، فلم يتبع التنزيل ولم يبق على الاستقامة بل
تحول عنها إلى الاعوجاج والبدعة والضلالة ، نسأل الله العافية .
وقال أبو عبد الرحمن السلمي عن عمرو بن عثمان المكي : أنه قال : كنت أماشي الحلاج في
بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي فقال : يمكنني أن أقول مثل هذا ، ففارقته . قال
الخطيب : وحدثني مسعود بن ناصر أنبأنا ابن باكوا الشيرازي سمعت أبا زرعة الطبري يقول :
الناس فيه - يعني حسين بن منصور الحلاج - بين قبول ورد ولكن سمعت محمد بن يحيى الرازي
يقول : سمعت عمرو بن عثمان يلعنه ويقول : لو قدرت عليه لقتلته بيدي . فقلت له : إيش الذي
وجد الشيخ عليه ؟ قال قرأت آية من كتاب الله فقال : يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به . قال أبو
زرعة الطبري : وسمعت أبا يعقوب الأقطع يقول : زوجت ابنتي من الحسين الحلاج لما رأيت من
حسن طريقته واجتهاده ، فبان لي منه بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال ، خبيث كافر . قلت : كان تزويجه
إياها بمكة ، وهي أم الحسين بنت أبي يعقوب الأقطع فأولدها ولده أحمد بن الحسين بن منصور ، وقد
ذكر سيرة أبيه كما ساقها من طريق الخطيب . وذكر أبو القاسم القشيري في رسالته في باب حفظ قلوب
المشايخ : أن عمرو بن عثمان دخل على الحلاج وهو بمكة وهو يكتب شيئا في أوراق فقال له : ما
هذا ؟ فقال : هو ذا أعارض القرآن . قال : فدعا عليه فلم يفلح بعدها ، وأنكر على أبي يعقوب
الأقطع تزويجه إياه ابنته . وكتب عمرو بن عثمان إلى الآفاق كتابا كثيرة يلعنه فيها ويحذر الناس منه ،
فشرد الحلاج في البلاد فعاث يمينا وشمالا ، وجعل يظهر أنه يدعو إلى الله ويستعين بأنواع من الحيل ،
ولم يزل ذلك دأبه وشأنه حتى أحل الله به بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين ، فقتله بسيف الشرع
الذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق ، والله أعدل من أن يسلطه على صديق . كيف وقد تهجم على القرآن
العظيم ، وقد أراد معارضته في البلد الحرام حيث نزل به جبريل ، وقد قال تعالى ( ومن يرد فيه بإلحاد
بظلم نذقه من عذاب أليم ) [ الحج : 25 ] ولا إلحاد أعظم من هذا . وقد أشبه الحلاج كفار قريش
البداية والنهاية — صفحة 155
مساهمون: ابن كثير
ص١٥٥