تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
في معاندتهم ، كما قال تعالى عنهم ( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ) [ الأنفال : 31 ] .

أشياء من حيل الحلاج

روى الخطيب البغدادي : أن الحلاج بعث رجلا من خاصة أصحابه وأمره أن يذهب بين يديه إلى بلد من بلاد الجبل ، وأن يظهر لهم العبادة والصلاح والزهد ، فإذا رآهم قد أقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمي ، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح ، فإذا سعوا في مداواته ، قال لهم : يا جماعة الخير ، إنه لا ينفعني شئ مما تفعلون ، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له : إن شفاءك لا يكون إلا على يدي القطب ، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني ، وصفته كذا وكذا ، وقال له الحلاج : إني سأقدم عليك في ذلك الوقت . فذهب ذلك الرجل إلى تلك البلاد فأقام بها يتعبد ويظهر الصلاح والتنسك ويقرأ القرآن . فأقام مدة على ذلك فاعتقدوه وأحبوه ، ثم أظهر لهم أنه قد عمي فمكث حينا على ذلك ، ثم أظهر لهم أنه قد زمن ، فسعوا بمداواته بكل ممكن فلم ينتج فيه شئ ، فقال لهم : يا جماعة الخير هذا الذي تفعلونه معي لا ينتج شيئا وأنا قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول لي : إن عافيتك وشفاءك إنما هو على يدي القطب ، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني ، وكانوا أولا يقودونه إلى المسجد ثم صاروا يحملونه ويكرمونه كان في الوقت الذي ذكر لهم ، واتفق هو والحلاج عليه ، أقبل الحلاج حتى دخل البلد مختفيا وعليه ثياب صوف بيض ، فدخل المسجد ولزم سارية يتعبد فيه لا يلتفت إلى أحد ، فعرفه الناس بالصفات التي وصف لهم ذلك العليل ، فابتدروا إليه يسلمون عليه وتمسحون به ، ثم جاؤوا إلى ذلك الزمن المتعافى فأخبره بخبره ، فقال : صفوه لي ، فوصفوه له فقال : هذا الذي أخبرني عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، وأن شفائي على يديه ، اذهبوا بي إليه . فحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه فقال : يا أبا عبد الله إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام . ثم ذكر له رؤياه ، فرفع الحلاج يديه فدعا له ثم تفل من ريقه في كفيه ثم مسح بهما على عينيه ففتحهما كأن لم يكن بهما داء قط فأبصر ، ثم أخذ من ريقه فمسح على رجليه فقام من ساعته فمشى كأنه لم يكن به شئ والناس حضور ، وأمراء تلك البلاد وكبراؤهم عنده ، فضج الناس ضجة عظيمة وكبروا الله وسبحوه وعظموا الحلاج تعظيما زائدا على ما أظهر لهم من الباطل والزور . ثم أقام عندهم مدة يكرمونه ويعظمونه ويودون لو طلب منهم ما عساه أن يطلب من أموالهم . فلما أراد الخروج عنهم أرادوا أن يجمعوا له مالا كثيرا فقال : أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا ، وإنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا ، ولعل صاحبكم هذا أن يكون له إخوان وأصحاب من الابدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس ، ويحجون ويتصدقون ، محتاجين إلى ما يعينهم على ذلك ، فقال ذلك الرجل المتزامن المتعافى . صدق الشيخ ، قد رد الله علي بصري ومن الله علي بالعافية ، لأجعلن بقية عمري في الجهاد في سبيل الله ، والحج إلى بيت الله مع إخواننا الابدال
البداية والنهاية — صفحة 156 | ابن كثير / علي شيري