تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
والصالحين الذين نعرفهم ، ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم . ثم إن الحلاج خرج عنهم ومكث ذلك الرجل بين أظهرهم مدة إلى أن جمعوا له مالا كثيرا ألوفا من الذهب والفضة ، فلما اجتمع له ما أراد ودعهم وخرج عنهم فذهب إلى الحلاج فاقتسما ذلك المال . وروي عن بعظهم قال : كنت أسمع أن الحلاج له أحوال وكرامات فأحببت أن أختبر ذلك فجئته فسلمت عليه فقال لي : تشتهي على الساعة شيئا ؟ فقلت : أشتهي سمكا طريا . فدخل منزله فغاب ساعة ثم خرج علي ومعه سمكة تضطرب ورجلاه عليهما الطين . فقال : دعوت الله فأمرني أن آتي البطائح لآتيك بهذه السمكة ، فخضت الأهواز وهذا الطين منها فقلت : إن شئت أدخلتني منزلك حتى أنظر ليقوى يقيني بذلك ، فإن ظهرت على شئ وإلا آمنت بك . فقال : ادخل ، فدخلت فأغلق علي الباب وجلس يراني . فدرت البيت فلم أجد فيه منفذا إلى غيره ، فتحيرت في أمره ثم نظرت فإذا أنا بتأزيرة - وكان مؤزرا بإزار ساج - فحركتها فانفلقت فإذا هي باب منذ فدخلته فأفضى بي إلى بستان هائل ، فيه من سائر الثمار الجديدة والعتيقة ، قد أحسن إبقاءها . وإذا أشياء كثيرة معدودة للاكل ، وإذا هناك بركة كبيرة فيها سمك كثير صغار وكبار ، فدخلتها فأخرجت منها واحدة فنال رجلي من الطين مثل الذي نال رجليه ، فجئت إلى الباب فقلت : افتح قد آمنت بك فلما رآني على مثل حاله أسرع خلفي جريا يريد أن يقتلني . فضربته بالسمكة في وجهه وقلت : يا عدو الله أتعبتني في هذا اليوم . ولما خلصت منه لقيني بعد أيام فضاحكني وقال : لا تفش ما رأيت لاحد وإلا بعثت إليك من يقتلك على فراشك . قال : فعرفت أنه يفعل إن أفشيت عليه فلم أحدث به أحدا حتى صلب . وقال الحلاج يوما لرجل : آمن بي حتى أبعث لك بعصفورة تأخذ من ذرقها وزن حبة فتضعه على كذا منا من نحاس فيصير ذهبا . فقال له الرجل : آمن أنت بي حتى أبعث إليك بفيل إذا استلقى على قفاه بلغت قوائمه إلى السماء ، وإذا أردت أن تخفيه وضعته في إحدى عينيك . قال : فبهت وسكت . ولما ورد بغداد جعل يدعو إلى نفسه ويظهر أشياء من المخاريق والشعوذة وغيرها من الأحوال الشيطانية ، وأكثر ما كان يروج على الرافضة لقلة عقولهم وضعف تمييزهم بين الحق والباطل . وقد استدعى يوما برئيس من الرافضة فدعاه إلى الايمان به فقال له الرافضي : إني رجل أحب النساء وإني أصلع الرأس ، وقد شبت ، فإن أنت أذهبت عني هذا وهذا آمنت بك وأنك الامام المعصوم ، وإن شئت قلت إنك نبي ، وإن شئت قلت إنك أنت الله . قال : فبهت الحلاج ولم يحر إليه جوابا . قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي : كان الحلاج متلونا تارة يلبس المسوح ، وتارة يلبس الدراعة ، وتارة يلبس القباء ، وهو مع كل قوم على مذهبهم : إن كانوا أهل سنة أو رافضة أو معتزلة أو صوفية أو فساقا أو غيرهم ، ولما أقام بالأهواز جعل ينفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القدرة ، فسئل الشيخ أبو علي الجبائي عن ذلك فقال : إن هذا كله مما يناهل البشر بالحيلة ، ولكن أدخلوه بيتا لا منفذ له ثم سلوه أن يخرج لكم جرزتين من شوك . فلما بلغ ذلك الحلاج تحول من الأهواز . قال