تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
الخطيب : أنبأ إبراهيم بن مخلد أنبأ إسماعيل بن علي الخطيب في تاريخه قال : وظهر أمر رجل يقال له الحلاج الحسين بن منصور ، وكان في حبس السلطان بسعاية وقعت به ، وذلك في وزارة علي بن عيسى الأولى ، وذكر عنه ضروب من الزندقة ووضع الحيل على تضليل الناس ، من جهات تشبه الشعوذة والسحر ، وادعاء النبوة ، فكشفه علي بن عيسى عند قبضه عليه وأنهى خبره إلى السلطان - يعني الخليفة المقتدر بالله - فلم يقر بما رمي به من ذلك فعاقبه وصلبه حيا وأياما متوالية في رحبة الجسر ، في كل يوم غدوة ، وينادى عليه بما ذكر عنه ، ثم ينزل به ثم يحبس ، فأقام في الحبس سنين كثيرة ينقل من حبس إلى حبس ، خوفا من إضلاله أهل كل حبس إذا طالت مدته عندهم ، إلى أن حبس آخر حسبة في دار السلطان ، فاستغوى جماعة من غلمان السلطان وموه عليهم واستمالهم بضروب من الحيل ، حتى صاروا يحمونه ويدفعون عنه ويرفهونه بالمآكل المطيبة ، ثم راسل جماعة من الكتاب وغيرهم ببغداد وغيرها ، فاستجابوا له وترقى به الأمر إلى أن دعى الربوبية ، وسعى بجماعة من أصحابه إلى السلطان فقبض عليهم ووجد عند بعضهم كتب تدل على تصديق ما ذكر عنه ، وأقر بعضهم بذلك بلسانه ، وانتشر خبره وتكلم الناس في قتله ، فأمل الخليفة بتسليمه إلى حامد بن العباس ، وأمره أن يكشفه بحضرة القضاة والعلماء ويجمع بينه وبين أصحابه ، فجرى في ذلك خطوب طوال ، ثم استيقن السلطان أمره ووقف على ما ذكر عنه ، وثبت ذلك على يد القضاة وأفتى به العلماء فأمر بقتله وإحراقه بالنار ، فأحضر مجلس الشرطة بالجانب الغربي في يوم الثلاثاء لتسع ( 1 ) بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة ، فضرب بالسياط نحوا من ألف سوط ، ثم قطعت يداه ورجلاه ، ثم ضربت عنقه ، وأحرقت جثته بالنار ، ونصب رأسه للناس على سور الجسر الجديد وعلقت يداه ورجلاه . وقال أبو عبد الرحمن بن الحسن السلمي : سمعت إبراهيم بن محمد الواعظ يقول قال أبو القاسم الرازي ، قال أبو بكر بن ممشاذ : حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها ليلا ولا نهارا ، فأنكروا ذلك من حاله ففتشوا مخلاته فوجدوا فيها كتاب للحلاج عنوانه : من الرحمن الرحيم إلى فلان ابن فلان - يدعوه إلى الضلالة والايمان به - فبعث بالكتاب إلى بغداد فسئل الحلاج عن ذلك فأقر انه كتبه فقالوا له : كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الألوهية والربوبية ؟ فقال : لا ولكن هذا عين الجمع عندنا . هل الكتاب إلا الله وأنا واليد آلة ؟ فقيل له : معك على ذلك أحد ؟ قال : نعم ابن عطاء وأبو محمد الحريري وأبو بكر الشبلي . فسئل الحريري عن ذلك فقال : من يقول بهذا كافر . وسئل الشبلي عن ذلك فقال : من يقول بهذا يمنع . وسئل ابن عطاء عن ذلك فقال : القول ما يقول الحلاج في ذلك . فعوقب حتى كان سبب هلاكه . ثم روى أبو عبد الرحمن السلمي عن محمد بن عبد الرحمن الرازي أن الوزير حامد بن العباس لما أحضر الحلاج سأله عن اعتقاده فأقر به فكتبه ، فسأل عن ذلك فقهاء بغداد فأنكروا ذلك وكفرورا من اعتقده ، فكتبه . فقال الوزير : إن
هامش
( 1 ) في الفرق بين الفرق للبغدادي ص 199 : لست ( انظر الطبري 12 / 54 )
البداية والنهاية — صفحة 158 | ابن كثير / علي شيري