فعله ، وإلى الزندقة في عقيدته وعقده . قال : وله إلى الآن أصحاب ينسبون إليه ويغالون فيه ويغلون . وقد كان الحلاج في عبارته حلو المنطق ، وله شعر على طريقة الصوفية . قلت : لم يزل الناس منذ قتل الحلاج مختلفين في أمره . فأما الفقهاء فحكي عن غير واحد من العلماء والأئمة إجماعهم على قتله ، وأنه قتل كافرا ، وكان كافرا ممخرقا مموها مشعبذا ، وبهذا قال أكثر الصوفية فيه . ومنهم طائفة كما تقدم أجملوا القول فيه ، وغرهم ظاهره ولم يطلعوا على باطنه ولا باطن قوله ، فإنه كان في ابتداء أمره فيه تعبد وتأله وسلوك ، ولكن لم يكن له علم ولا بنى أمره وحاله على تقوى من الله ورضوان . فلهذا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه . وقال سفيان بن عيينة : من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى ، ولهذا دخل على الحلاج الحلول والاتحاد ( 1 ) ، فصار من أهل الانحلال والانحراف . وقد روي من وجه أنه تقلبت به الأحوال وتردد إلى البلدان ، وهو في ذلك كله يظهر للناس أنه من الدعاة إلى الله عز وجل . وصح أنه دخل إلى الهند وتعلم بها السحر وقال : أدعو به إلى الله ، وكان أهل الهند يكاتبونه بالمغيث - أي أنه من رجال المغيث - ويكاتبه أهل سركسان بالمقيت . ويكاتبه أهل خراسان بالمميز ، وأهل فارس بأبي عبد الله الزاهد . وأهل خوزستان بأبي عبد الله الزاهد حلاج الاسرار . وكان بعض البغاددة حين كان عندهم يقولون له : المصطلم وأهل البصرة يقولون له : المحير ، ويقال إنما سماه الحلاج أهل الأهواز لأنه كان يكاشفهم عن ما في ضمائرهم ، وقيل لأنه مرة قال لحلاج : أذهب لي في حاجة كذا وكذا ، فقال : إني مشغول بالحلج ، فقال : اذهب فأنا أحلج عنك ، فذهب ورجع سريعا فإذا جميع ما في ذلك المخزن قد حلجه ، يقال إنه أشار بالمرود فامتاز الحب عن القطن ، وفي صحة هذا ونسبته إليه نظر ، وإن كان قد جرى مثل هذا ، فالشياطين تعين أصحابها ويستخدمونهم . وقيل لان أباه كان حلاجا . ومما يدل على أنه كان ذا حلول في بدء أمره أشياء كثيرة ، منها شعره في ذلك فمن ذلك قوله : جبلت روحك في روحي كما * يجبل العنبر بالمسك الفنق فإذا مسك شئ مسني * وإذا أنت أنا لا نفترق وقوله : مزجت روحك في روحي كما * تمزج الخمرة بالماء الزلال فإذا مسك شئ مسني * فإذا أنت أنا في كل حال وقوله أيضا : قد تحققتك في سري * فخاطبك لساني .
البداية والنهاية — صفحة 153
مساهمون: ابن كثير
ص١٥٣
هامش
( 1 ) الحلولية والاتحاد قالوا : من هذب نفسه في الطاعة ، وصبر على اللذات والشهوات ارتقى إلى مقام المقربين ،
ثم لا يزال صفو ويرتقي في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية ، فإذا لم يبق فيه من البشرية حظ حل
فيه روح الاله الذي حل في عيسى بن مريم ، ولم يرد حينئذ إلا كان كما أراد وكان جميع فعله فعل الله تعالى .
( الفرق بين الفرق ص 198 )