وأقصدهم للعدل والاحسان ، واتباع الحق . وفيها كثرت الأمراض الدموية ببغداد في تموز وآب ،
فمات من ذلك خلق كثير من أهلها . وفيها وصلت هدايا صاحب عمان ومن جملتها بغلة بيضاء وغزال
أسود . وفي شعبان منها ركب المقتدر إلى باب الشماسية على الخيل ثم انحدر إلى داره في دجلة - وكانت
أول ركبة ركبها جهرة للعامة - وفيها استأذن الوزير علي بن عيسى الخليفة المقتدر في مكاتبة رأس
القرامطة أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي فأذن له ، فكتب كتابا طويلا يدعوه فيه إلى السمع
والطاعة ، ويوبخه على ما يتعاطاه من ترك الصلاة والزكاة وارتكاب المنكرات ، وإنكارهم على من
يذكر الله ويسبحه ويحمده ، واستهزائهم بالدين واسترقاقهم الحرائر ، ثم توعده الحرب وتهدده
بالقتل ، فلما سار بالكتاب نحوه قتل أبو سعيد قبل أن يصله ، قتله بعض خدمه . وعهد بالامر من
بعده لولده سعيد ، فغلبه على ذلك أخوه أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد ، فلما قرأ كتاب الوزير أجابه
بما حاصله : إن هذا الذي تنسب إلينا مما ذكرتم لم يثبت عندكم إلا من طريق من يشنع علينا ، وإذا
كان الخليفة ينسبنا إلى الكفر بالله فكيف يدعونا إلى السمع والطاعة له ؟ وفيها جئ الحسين بن
منصور الحلاج إلى بغداد وهو مشهور على جمل وغلام له راكب جملا آخر ، ينادي عليه : أحد دعاة
القرامطة فاعرفوه ، ثم حبس ثم جئ به إلى مجلس الوزير فناظره فإذا هو لا يقرأ القرآن ولا يعرف في
الحديث ولا الفقه شيئا ، ولا في اللغة ولا في الاخبار ولا في الشعر شيئا ، وكان الذي نقم عليه : أنه
وجدت له رقاع يدعو فيها الناس إلى الضلالة والجهالة بأنواع من الرموز ، يقول في مكاتباته كثيرا :
تبارك ذو النور الشعشعاني . فقال له الوزير : تعلمك الطهور والفروض أجدى عليك من رسائل لا
تدري ما تقول فيها ، وما أحوجك إلى الأدب . ثم أمر به فصلب حيا صلب الاشتهار لا القتل ، ثم
أنزل فأجلس في دار الخلافة ، فجعل يظهر لهم أنه على السنة ، وأنه زاهد ، حتى اغتر به كثير من
الخدام وغيرهم من أهل دار الخلافة من الجهلة ، حتى صاروا يتبركون به ويتمسحون بثيابه . وسيأتي
ما صار إليه أمره حين قتل بإجماع الفقهاء وأكثر الصوفية . ووقع في هذه السنة في آخرها ببغداد وباء
شديد جدا مات بسببه بشر كثير ، ولا سيما بالحربية غلقت عامة دورها . وحج بالناس فيها الأمير
المتقدم ذكره . وفيها توفي من الأعيان :
إبراهيم بن خالد الشافعي
جمع العلم والزهد ، وهو من تلاميذ أبي بكر الإسماعيلي .
جعفر بن محمد
ابن الحسين ( 1 ) بن المستفاض أبو بكر الفريابي قاضي الدينور ، طاف البلاد في طلب العلم ، .
هامش
( 1 ) في ابن الأثير 8 / 85 وتذكرة الحفاظ 1 / 692 : الحسن