تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
وفي الحديث : " النَّدم توبة " ( 1 ) فلابدّ من ندم وإقلاع وعزم عَلَى ترك المعاودة بالكلية ، أما من عزم عَلَى المعاودة ولو بعد حين فليس بتائب . قيل لابن المبارك : من مدمن الخمر ؟ قال : الَّذِي يشربه اليوم ثم لا يشربه إِلَى ثلاثين سنة ، ومن رَأْيُه إذا وجده أن يشربه . وكثير من العصاة يترك الشرب في الأيام الفاضلة كرمضان فقط ، ومن نيته المعاودة بعد انقضائه ، وهذا مدمن ليس بتائب ، لا سيما إِنَّ عدَّ الأيام ، وطال عليه الشهر حتى يعود ، ولهذا إذا قرب الشهر جدّ في الشرب ليتودَّع منه ، ثم يعاود الشرب عند انقضائه ، وأنشد بعضهم : إذا العشرون من شعبان ولّت . . . فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار . . . فإن الوقت ضاق عن الصّغار وأقبح من ذلك أخذ بعض الجهلة هذا الكلام من باب الإشارات ، ودعواهم أن له شرًّا لا يفهمه إلا الخواص ، وأن فيه إشارة إِلَى مبادرة العمر بالطاعة عند اقتراب الأجل . وأخذ هذا من الكلام قبيح جدًّا ، وهو كأخذ الآخر السرّ من قول قائلهم : رقّ الزجاج ورقت الحمر . . . وتشاكلا فتشابه الأمر فكأنما خمر ولا قدح . . . وكأنما قدح ولا خمر فإن هذا ظاهره إِنَّمَا يؤخذ منه الفسق ، ولكن يدَّعي بعض الجهلة أن فيه سرًّا أراده القائل ، وهذا السرّ أقبح من ظاهره ، حيث كان ظاهره الفسق ، وهذا الباطن المشار إِلَيْهِ وهو أن الخالق والمخلوق اتحدا حتى صارا شيئًا واحدًا ، لا يميّز العارف بينهما وهو السرّ المشار إِلَيْهِ عندهم .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 423 ، 433 ) ، وابن ماجة ( 4252 ) من حديث ابن مسعود .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 283 | عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي ) / أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني