قد أدرنا عليكم اليوم شراب التشويق ممزوجًا بماء التخويف ، فبالله لا يقم أحد منكم معكم من هذا المجلس إلا وقد أناب إِلَى الكريم الوهاب .
أليس من أهل الشراب من يبكي ، ومنهم من يضحك ، ومنهم من يطرب ، ومنهم من يتملّق النّاس ويتعلق بهم ، ومنهم من تثور نفسه فلا يرضى إلا بأن يطلق أو يضرب بالسيف ، ومنهم من ينام .
فهكذا شراب المواعظ يعمل في السامعين : فمنهم من يبكي عَلَى ذنوبه ، ومنهم من يضحك لنيل مطلوبه ، ومنهم من يضحك فرحًا لمحبوبه ، ومنهم من يتشبث بأذيال الواصلين لعله يعلّق خطام راحلته عَلَى قطارهم ، ومنهم من لا يرضى حتى يبت طلاق الدُّنْيَا ثلاثًا ، أو يقتل هوى نفسه بسيف العزم كالمعربد ، ومنهم من لا يدري كالنائم .
أَيَقْظَانُ أَنْتَ اليَوْمَ أَمْ أَنْتَ نَائِمُ . . . وكيف يطيق النَّوْمَ حَيْرَانُ هَائِمُ !
فَلَوْ كُنْتَ يَقْظَانَ الفُؤَادِ لَحَرَّقَتْ . . . مَحَاجِرَ عَيْنَيْكَ الدُّمُوعُ السَّوَاجِمُ ( 1 )
بَلَ أَصْبَحْتَ فِي النَّوْمِ الطَّوِيلِ وَقَدْ دَنَتْ . . . إلَيْكَ أُمُورٌ مُفْظِعَاتٌ عَظَائمُ
تُسَرُّ بِمَا يَفْنَى وَتُشْغَلُ بِالمُنَى . . . كَمَا سُرَّ بِاللَّذَاتِ فِي النَّوْم حَالِمُ
نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ . . . ولَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدَى لك لاَزِمُ
وَتَدْأَبُ فِيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ . . . كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ البَهَائِمُ
وصلى الله عَلَى سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إِلَى يوم الدين ، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين ، { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ( 2 ) .
. . .
هامش
( 1 ) السواجم : قَطَران الدمع وسيلانه قليلاً كان أو كثيرًا . " لسان العرب " مادة : ( سجم ) .
( 2 ) الصافات : 180 - 182 .