تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
قرة العين من جملة النعيم ، فمنه ما هو منقطع ، ومنه ما لا ينقطع ، فمن قرت عينه بالدنيا ، فقرة عينه منقطعة وأيضًا فسرورها لا يدوم ؛ لأنّ لذاتها مشوبة بالفجائع والتنغيص . وكيف تقر عين المؤمن في الدُّنْيَا وهو يعلم سرعة انقضائها ، ومفارقة ماله فيها من أهل وولد ومال ، ويعلم ما يعالجه عند مفارقتها من سكرات الموت ، وما يلقاه في البرزخ من الوحشة والوحدة والضيق ، ثم ما يخشاه يوم القيامة من العذاب ؟ ! قال بعض السلف : ما ترك الموت للمؤمن قرة عين في أهل ولا مال ولا ولد . وقال مطرف : إِنَّ هذا الموت قد أفسد عَلَى أهل النعيم نعيمهم ، فالتمسوا نعيمًا لا موت فيه . وقال بضع السلف : عجبًا لمن يوقن بالموت ، كيف تقر بالدنيا عينه ، أم كيف يطب فيها عيشه ؟ ! ونظر بعضهم إِلَى دار له حسنة ، فبكى وقال : والله ، لولا الموت لكنت بك مسرورًا ، ولولا ما نصير إِلَيْهِ من ضيق القبور لقرت أعيننا بالدنيا ، ثم بكى حتى ارتفع صوته . رأى بعض السلف في منامه قائلًا يقول له : وكيف تنام العين وهي قريرة . . . ولم تدر في أي المحلين تنزل فلا تقر عين المؤمن في الدُّنْيَا إلا بالله عز وجل ، وذكره ومحبته والأنس به ، ومن قرت عينه باللَّه ، فقد حصلت له قرة العين التي لا تنقطع في الدُّنْيَا ولا في البرزخ ولا في الآخرة ، وقرت به عيون المؤمنين ، كما قال بعضهم : من قرت عينه بالله قرت به كل عين . كان حبيب العجمي يخلو في بيته ثم يقول : ومن لم تقر عينه بك فلا قرت ، ومن لم يأنس بك فلا أنس .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 173 | عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي ) / أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني