نعيم الدُّنْيَا قط ، كما قال الله تعالى : { أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } ( 1 ) .
وقال بعض السلف : إذا جاء الموت لم يغن عن الإنسان ما كان فيه من النعيم واللذة ، ثم تلا هذه الآية .
وكان الرشيد قد بنى قصرًا فلما فرغ منه نجده وفرشه ، واستدعى إِلَيْهِ أنواع الأطعمة والأشربة ، وجلس مع ندمائه استدعى إِلَيْهِ أبا العتاهية ، فأمره أن يصف ما هم فيه من النعيم والعيش ، فَقَالَ أبو العتاهية :
عِشْ مَا بَدَا لَكَ سَالِمًا . . . فِي ظِلِّ شَاهِقَةِ الْقُصُورِ
يُسْعَى عَلَيْكَ بِمَا اشْتَهَيْتُ . . . لَدَى الرَّوَاحِ وَفِي الْبُكُورِ
فَإِذَا النُّفُوسُ ( تَقَعْقَعَتْ ) ( 2 ) . . . فِي ضِيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ
فَهُنَاكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا . . . مَا كُنْتَ إِلا فِي غُرُورِ
فبكى واشتد بكاؤه ، فَقَالَ الوزير لأبي العتاهية : دعاك أمير المؤمنين للمسرة فأحزنته ! فَقَالَ : دعه فإنه رآنا في عمى ، فكره أن يزيدنا عمًى .
قال مالك بن دينار : رأيت بالبحرين قصرًا مشيدًا طريًا وعلى بابه مكتوب :
طلبت العيش أسعد ناعميه . . . وعشت من المعايش في النعيم
فلم ألبث ورب الناس طرًّا . . . سلبت من الأقارب والحميم
فقلت : ما هذا القصر ؟ قالوا : هذا أنعم أهل البحرين ، مات فأوصى أن يدفن في قصره ، وأن يكتب عَلَى بابه هذا الكلام .
قال مالك : فعجبت من معرفته ، فهلا يستقبل الموت بتوبة ، ثم بكى مالك .
إذا غمس أنعم الناس كان في الدُّنْيَا في العذاب غمسة . قِيلَ لَهُ : هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول : لا يا رب .
هامش
( 1 ) الشعراء : 205 .
( 2 ) تقعقعت : اضطربت . " لسان العرب " ( 8 / 286 ) .