يا مدمن الذنب أما تستحي . . . والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله . . . وستره طول مساويكا
وفي حديث أبي ذر رضي اللَّه عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : « ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ : رَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ لِقَرَابَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا ؛ لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلِهِمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ ، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ فَقَامَ رَجُلٌ ( يَتَمَلَّقُنِي ) ( 1 ) وَيَتْلُو آيَاتِي ، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقُوا العَدُوَّ ، فَهُزِمُوا ، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ » ( 2 ) .
فهؤلاء الثلاثة قد اجتمع لهم معاملة الله سرًّا يينهم وبينه ، حيث غفل الناس عنهم ، فهو تعالى يحب من يعامله سرًّا بينه وبينه ، حيث لا يعامله حينئذ أحد ، ولهذا فضل قيام وسط الليل عَلَى ما سواه من أوقات الليل ، والمحبون لله يحبون ذلك أيضًا علمًا منهم باطلاعه عليهم ومشاهدته لهم ، فهم يكتفون بذلك لأنهم عرفوه ، فاكتفوا به من بين خلقه ، وعاملوه فيما بينه وبينهم معاملة الشاهد غير الغائب ، وهذا مقام الإحسان ، قال بعض العارفين : من عرف الله اكتفى به من خلقه .
وكان بعض المخلصين يقول : لا أعتد بما ظهر من عملي .
اطلع عَلَى بعض أحوال بعضهم ، فدعى لنفسه بالموت وقال : إِنَّمَا كانت تطب الحياة إذا كانت المعاملة بيني وبينه سرّا .
وقيل لبعضهم : ألا تستوحش وحدك ؟ قال : كيف أستوحش وهو يقول : أنا جليس من ذكرني ؟ !
هامش
( 1 ) يتملقني من " تملق " بالتحريك أي الزيادة في التودد والدعاء والتضرع فوق ما ينبغي . " النهاية " ( 4 / 358 ) .
( 2 ) أخرجه الترمذي رقم ( 2567 ، 2568 ) ، والنسائي ( 1614 ) ، وأحمد ( 5 / 153 ) . قال الترمذي : هذا حديث صحيح ، وهكذا روى شيبان عن منصور نحو هذا ، وهذا أصح من حديث أبي بكر ابن عياش .