تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
في قوله تعالى : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } ( 1 ) . وإن كان غنيًا لم يحمله غناه عَلَى السرف والطغيان ؛ بل يكون مقتصدًا أيضًا ، قال الله تعالى : { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } ( 2 ) . وإن كان المؤمن في حال غناه يزيد عَلَى نفقته في حال فقره ، كما قال بعض السلف : إِنَّ المؤمن يأخذ عن الله أدبًا حسنًا ، إذا وسع الله عليه ، وسع عَلَى نفسه ، وإذا ضيق عليه ، ضيق عَلَى نفسه ، ثم تلا قوله تعالى : { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } ( 3 ) لكن يكون في حال غناه مقتصدًا غير مسرف ، كما يفعله أكثر أهل الغنى الذين يخرجهم الغنى إِلَى الطغيان ، كما قال تعالى : { كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى } ( 4 ) . كان علي رضي الله عنه يعاتب عَلَى اقتصاده في لباسه في خلافته فيقول : هو أبعد عن الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم ( 5 ) . وعوتب عمر بن عبد العزيز في خلافته عَلَى تضييقه عَلَى نفسه فَقَالَ : إِنَّ أفضل القصد عند الجدة ، وأفضل العفو عند المقدرة . يعني أفضل ما اقتصد الإنسان في عيشه وهو واجد قادر ، وهذه حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين ، لم تغيرهم سعة الدُّنْيَا والملك ولم يتنعموا في الدُّنْيَا . وقد روي عن سليمان عليه السلام ، أنه كان يأكل خبز الشعير ويلبس الصوف . وسئل الحسن رضي الله عنه عن رجل آتاه الله مالًا ، فهو يحج منه ويتصدق ، أله أن يتنعم فيه منه ؟ قال : لا ، لو كانت له الدُّنْيَا ما كان له إلا الكفاف .
هامش
( 1 ) الإسراء : 29 . ( 2 ) الفرقان : 67 . ( 3 ) الطلاق : 7 . ( 4 ) العلق : 6 - 7 . ( 5 ) أخرجه الضياء في " المختارة " ( 2 / 21 ) برقم ( 459 ، 460 ) وقال : إسناده حسن .