تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تلخيص الحبير ( ط العلمية ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هامش
= أما الذين ذهبوا إلى أن موجب الحمل هو اللغة مطلقاً ، فقد استدلوا على مذهبهم بأن حمل المطلق على المقيد أسلوب من أساليب أهل اللغة ؛ لأن العرب تحذف وتثبت في كلامها اعتماداً على ما هو مثبت في الكلام ، وذلك نحو ما جاء من قول قيس بن الخطيم [ المنسرح ] : نحن بما عندنا وأنت بما . . . عندك رأض والرأي مختلف فنرى أن الشاعر هنا قد حذف كلمة " راضون " في صدر البيت ؛ لدلالة قوله في العجز " راض " على المحذوف ، فالشاعر يريد أن يقول : نحن بما عندنا راضون ، فحذف خبر المبتدأ " نحن " واكتفى بذكر خبر المبتدأ " أنت " ؛ ليدل على خبر المبتدأ " نحن " . ومن أمثلة ذلك قول عمرو بن أحمد الباهلي [ الطويل ] : رماني بأمر كنت منه ووالدي . . . بريئاً ومن أجل الطوي رماني حيث حذف الشاعر هنا كلمة " بأمر " في عجز البيت ؟ لدلالة الصدر عليه ، فهو يريد أن يقول : من أجل الطوي رماني بأمر . قالمستقرىء لأساليب العرب ، يلمح بوضوح أن الحذف إنما تستعمله العرب إذا دل دليل لفظي ، أو غير لفظي على مراد المتكلم ، والقرآن الكريم ذاخر بالشواهد والنماذج على ذلك ، جرياً على أساليب العرب . مثال ذلك قول الله عز وجل : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } [ فصلت : 46 ] أي : من عمل صالحاً فعمله لنفسه ، ومن أساء فإساءته على نفسه ، ومن ذلك أيضاً قوله عز وجل : { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } [ الطلاق : 4 ] أي : واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر . وأما علماء الشافعية الذين ذهبوا إلى وجوب حمل المطلق على المقيد في صورة تعدد الحكم دون الحادثة ، تنازعوا في موجب الحمل ، فقد ذهبت طائفة منهم إلى أن موجب الحمل هو اللغة ، من غير نظر إلى قياس أو دليل ، وجعلوه من باب المحذوف ، فإن أهل اللسان العربي يحذفون القيد في موضع , استناداً على دلالة ذكره في موضع آخر من الكلام ، مثال ذلك في قوله عز وجل : { وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ } [ الأحزاب : 35 ] أي : والحافظات لها ، ومثله أيضاً قوله عز وجل : { والذَّاكرينَ اللَّه كثيراً والذَّاكراتِ } [ لأحزاب : 35 ] أي : والذاكرات الله كثيراً ، فقد دل عليه ما سبق . وقد رد هنا بأن المراد بالآية الكريمة : " والذاكرات الله " حيث انصرف الكلام إلى ذكر الله مطلقاً ، فلا يتأتى تقييده بصرفه إلى جميع أنواع الذكر ؛ لأن الخطاب إنما ورد في سياق المدح لهن وإرشادهن إلى ذكر الله مطلقاً بغير قيد . ومما ينبغي أن نذكره هنا أن طائفة من الفقهاء ينكرون حصل المطلق على المقيد من جهة اللغة ، ودللوا على ذلك بأن إطلاق المطلق يستلزم الأمر به وإيقاعه دون غيره ، فلو قلنا بتقييده باللفظ المقيد ، لكان من الواجب أن يكون بين المطلق والمقيد صلة ، وإلا فإن تقييده ليس بأولى من إطلاقه ، وترجع الصلة بين المطلق والمقيد إلى اللفظ أو الحكم ، أما صلة اللفظ فإنما تكون بالعطف أو الإضمار ، وان صلة كهذه غير موجودة بين المطلق والمقيد ، بينما الصلة التي مرجعها الحكم فهي قسمان : الأول : أن يتفق المطلق والمقيد في علة تقييد الحكم فيهما بالصفة ، ولا علاقة لهذا بالتقييد باللفظ ؛ لأنه من باب التقييد بالقياس . الثاني : أن يكون الحكم فيهما مقيداً في كفارة ، غير مقيد في كفارة أخرى مانعاً من التعبد ، فإن المصلحة قد تكون بإيجاب التقييد فيهما ، وقد تكون المصلحة في اختلافهما بذلك التقييد ، فلو . . . . . . . . =
تلخيص الحبير ( ط العلمية ) — صفحة 155 | ابن حجر العسقلاني