يألونه استعجاما ، وحين شالت نعامته ، وسالت عليه ظلامته ، كتب إلى أبيه :
أبعد السنا والمعالي خمول * وبعد ركوب المذاكي كبول
ومن بعد ما كنت حرا عزيزا * أنا اليوم عبد أسير ذليل
حللت رسولا بغرناطة * فحل بها في خطب جليل
وثقفت إذ جئتها مرسلا وقبلي كان يعز الرسول
فقدت المرية أكرم بها * فما للوصول إليها سبيل
فراجعه أبوه بقطعة منها :
عزيز علي ونوحي دليل * على ما أقاسي ودمعي يسيل
وقطعت البيض أغمادها * وشقت بنود وناحت طبول
لئن كنت يعقوب في حزنه * ويوسف أنت فصير جميل
ولم يزل يتحيل في تخلصيه ، وأخذه من يد مقتنصه ، فسرق وحراسه منه بمكال السلك من النحر ، وطرق به علي ثبج البحر ، فوافى المرية ، وقد أخذ البحث عليه أفاق البرية ، فهنىء المعتصم بخلاصه ، وبقي مستقر بعراصه ، إلى أن أخلوها ، ومضوا لطلبة ما نووها ، فنجا أخوه إلى حيث ذكرنا من بلاد الناصر ، ولجأ هو إلى أحد المرابطين لأذمة كانت بينهما وأواصر ، وأقام معه سمير لهوه ، وأمير سهوه ، إلى أن انقرض أمده ، وطواء سروره لا كمده ، فلم ير إلا خالصا لعذاره ، طالعا في ثنيات اغتزاره ، غير مكترث باتضاعه ، ولا منحرف عن ارتشاف الغي وارتضاعه ، وبدا منه في هذه الحال ندى كائر به السحاب وظاهر بسببه الصحاب ، وتخدم الأوطار ، وتقدم لذوي الرتب فيها والأخطار ( تقدما ) حسن من ذكره ، وأولع آلالسن بشكره ، فارتفع عنه الكدح ، وشفع له في
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس — صفحة 404
مساهمون: ابن خاقان
ص٤٠٤