وانتضى من تلك القُمص ، وكان بثَغر الأُشبُونة أدام الله حِراسَتها فسدَّهُ ولم ينفرج لنا من الأنس بَعدَه ما يسدُّ مَسدَّهُ ، إلى أن صَدَر ، فأسرع إلينا وابتدَر ، فالتقينا وبتناها ليلة نام عنها الدهر وغَفَل ، وقام لنا بما شِئنَا فيها وتكفَّل ، فبينا نحن نفضُّ خِتامَها ونَنفُض عنّا غِبَار الوَحشة وقَتَامها ، إذ أنا بابن لسان هذا وقد دخل أذنه علينا فأمرناه بالنزول والتقيناه بترحيب ، وأنزلناه بمكان من المسرّة رحيب ، وسقيناه صغاراً وكباراً ، وأريناه إعظاماً وإكباراً ، فلمّا شَرب طرب ، وكلّما كَرَعها ،
التحف السَّلوَة وتدرَّعها ، وما زال يشرب أقدَاحاً وينشد فينا أمدَاحاً ، ويفدي بنفسه ، ويَستهدي الاستزداة من أُنسه فهتكنا الظلام بما أهداه من البديع ، واجتَلينَا محاسنه كالصَّريع وانفصَلت لَيلتُه عن أتمّ مسرَّة ، وأعمّ مبرّة ، وارتحل عثمان أعزه الله تعالى إلى ثغره ، وأقام برهة من دهره ، فمشيت بها إليه مجدّداً عَهداً ، ومتضلِّعاً من مؤانسته شهدا ، فكتب ابن لسان هذه القطعة من قصيدة ، يذهب إلى
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس — صفحة 378
مساهمون: ابن خاقان
ص٣٧٨