للمُصحَفي بصدر قد كان أوغره ، وساءه وصغّره ، فاقتص من تلك الإساءة وأغصّ حلقه بأي مَساءة ، فأخمله ونكبه ، وأرجله عمّا كان الدهر أركبه ، وألهب جوارحه حَزَنا ونهب له مُدَّخراً ومُختزنا ، ودمّر عليه ما كان حاط ، وأحاط به من مكروهه ما أحاط ، وغير سنين في مهوى تلك النكبة ، وجَوى تلك الكُربة ، ينقله المنصور معه في غزواته ، ويعتقله بين ضيق المُطبق ولهواته ، إلى أن تكوّرت
شمسُه ، وفاضت بين أثناء المِحن نفسُه ، ومن بديع ما حُفِظ له في نكبته ، قوله
يستريح من كُربَته :
صَبَرتُ على الأيّامِ لمّا تولّتِ . . . وألزمتُ نفسي صبرها فاستمرّتِ
فَوَا عجَباً للِقَلبِ كيفَ اعترافه . . . وللنّفسِ بعد العزّ كيف استذلّتِ
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس — صفحة 156
مساهمون: ابن خاقان
ص١٥٦