تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠

سورة التساؤل

قوله تعالى : ( كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ) ، يسأل عن تكرر التهديد وفائدته ؟ والجواب عن ذلك : قد تقدم أن العرب متى تهممت بشئ أرادته لتحققه وقرب وقوعه أو قصدت الدعاء عليه كررته توكيداً ، وكأنها تقيم تكرارها مكان القسم عليه والاجتهاد في الدعاء عليه حيث يقصد الدعاء ، وإنما نزل القرآن بلسانهم وكأن مخاطباتهم جارية فيما بين بعضهم وبعض ، وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة ، وقد تقدم هذا وتقرر ، وعلى ذلك يجري ما ورد في هذا الوعيد . ومنه قوله تعالى : ( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 19 ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) ( المدثر : 19 - 20 ) وقوله : ( أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ) ( القيامة : 34 - 35 ) ومنه : ( لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) ( التكاثر : 6 - 7 ) وهو كثير . الآية الثانية - قوله تعالى : ( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ( 24 ) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ( 25 ) جَزَاءً وِفَاقًا ) ( النبأ : 24 - 26 ) ، ( وقال في أهل الجنة ) ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ( 31 ) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ) ( النبأ : 31 - 32 ) إلى قوله : ( جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ) ( النبأ : 36 ) ، للسائل أن يسأل عن موجب الفرق بين الفريقين حتى قيل في أهل النار : ( جزاء وفاقاً ) وفي أهل الجنة ( جزاءً من ربك عطاء حساباً ) مع أن كل ذلك جزاء ؟ والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أن الله سبحانه أعلمنا أنه يجازي على الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، على ما لا عين رأي ولا أن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، قال تعالى : ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) ( الأنعام : 160 ) ، وقال تعالى : ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ) ( البقرة : 261 ) ، وقال تعالى ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ( السجدة : 17 ) ، وقال : ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) ( فصلت : 31 ) وقال تعالى في الجزاء على السيئات : ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) ( الشورى : 40 ) ، وقال تعالى : ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ( الطور : 16 ) ، فحصل من هذا أن حكم السيئات المقابلة بأمثالها ، وذلك فيمن نفذ عليه الوعيد ولم يغفر له ، إذ المعتقد أنه تعالى يغفر ما دون الشرك لمن يشاء ، وأنه لا يخلد في النار إلا الكافر ،
ملاك التأويل — صفحة 500 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي