تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
من تقريع المكذبين ووصف أحوالهم ، لم فصل بين ذلك بكر المتقين وأحوالهم ؟ قلت : بدأ أولاً بتوبيخهم في عدم اعتبارهم بما ذكروا به من إهلاك من تقدمهم ممن كذب ، وبدأة خلقهم من ماء مهين ، وجعل الأرض تكفت إحياءهم وموتاهم ، ثم عرفوا بجزائهم الأخراوي وما يشاهدون ويقال لهم عند مصيرهم إلى العذاب ووصف جهنم ، ثم أعقب بذكر الضد من حال المتقين ليكون زائداً ومحركاً لندم المكذبين حين لا ينفع الندم ، وتم هذا المقصد على أتم مناسبة ، ثم رجع إلى الضرب الآخر المتقدم من التوبيخ بذكر حالهم الدنياوي في تنعمهم ( وتمتعهم ) ، وأورد ذلك بصغية الأمر تهكماً بهم وقيل : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ ) ( المرسلات : 48 ) ، فلم يكن الوارد في هاتين الآيتين ليناسب ما تقدم من توبيخهم ، ففصل عنه . والجواب عن السؤال الثاني : أن وجه الترتيب فيما تخلل متكرر آية الدعاء من الآيات أنه لما ذكر سبحانه أهوال ذلك اليوم في قوله : ( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ) ( المرسلات : 8 ) أعقب تعالى بتوبيخ المكذبين على غفلتهم عن التذكر بأخذ من تقدم من مكذبي الأمم وإهلاكهم بجزائهم فقال تعالى : ( أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ) ( المرسلات : 16 ) أي فهلا اتعظوا بهم ، كما قال تعالى : ( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ) ( الأنعام : 6 ) ، وقال تعالى : ( وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ) ( الرعد : 6 ) ، ( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) ( القمر : 43 ) ، ثم أردف سبحانه بقوله : ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ) ( المرسلات : 20 ) ، فذكر بأصل الخلقة وتطور الإنسان وتقلبه إلى كمال أمره بتعرف الخطاب وكمال التعقل كما قال تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) ( يس : 77 ) ، ثم ذكر سبحانه خلي الأرض ومنافعها وما بها أرساها من الجبال وفجر فيها من المياه لسقينا ، فحصل التذكير بضروب ثلاثة وهي : إهلاك الأمم السالفة بتكذيبهم ، وخلق الإنسان ، وخلق الأرض وما جعل فيها ، ثم أعقب بما ياقل لهم في الآخرة وما يشاهدونه مما يحل بهم جزاء على تكذيبهم وتعاميهم عن الاعتبار فقال ( انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) ( المرسلات : 29 ) إلى قوله : ( فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ) ( المرسلات : 39 ) ثم ذكر تعالى حال المتقين ومصيرهم في ثلاث آيات تأنيسا للمؤمنين ، وعلى المطرد في الكتاب العزيز من ذكر الإعقاب ، متى ذكر أحد الفريقين من أهل النجاة وأهل الامتحان أن يعقب بذكر الفريق الآخر ثم عاد الكلام إلى تهديد من قدم وأعقب بما يلائم من امتناعهم عن الاستجابة والخشوع . والجواب عن السؤال الثالث : أن سورة التطفيف لم تبن على التفصيل المقصود هنا فلم تتكرر فيها آية الدعاء ، والله أعلم . * * * *