تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
فإذا تقرر ما ذكرنا فاعلم أن تسميه ما يمنحه الله سبحانه أهل الجنة جزاء إنما ذلك فضل منه سبحانه ، إذ الجزاء لهم على أعمالهم أكثر من أعمالهم بوعده سبحانه ، فإذا إنما حاصلة عطاء وإحسان وإنعام ، وإنما سمى جزاء من حيث قوبل به عمل وارتبط به بحسب الإنعام ، إذ لا يجب عليه شئ ، فهذا حال الجزاء والإحسان . وأما الطرف الآخر فاسم الجزاء عليه أوقع وأطبق من حيث المقابلة ، فلهذا قيل في هذا ( جزاء وفاقاً ) كما قال تعالى : ( لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) ( غافر : 17 ) ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ( الطور 16 ) ، وأما الجزاء الإحسانى فقد فاق الوفاق وعجز عنه التقدير ، فلهذا أعقب قوله تعالى : ( جزاء ) بما يشعر بجريانه على حكم الإنعام والإحسان فقال تعالى ( من ربك ) ، وفي هذه الإضافة ما يشعر بعظيم الرحمة وزلفى القرب بقوله : ( من ربك ) ، ثم قال : ( عطاء ) فاعلم أنه لا يماثل ما ارتبط به من عمل العبد بل يفوق رجاء العبد وتقديره ، ثم قال تعالى : ( حسابا ) فأشار إلى التضعيف المتقدم ، ولم يكن ليلائم جزاء السيئة أن يقال فيها : ( من ربك ) ، ولا لتسمى عطاء ولا حسابا لما بيناه ، فورد كل على ما يناسب ، ولا يمكن فيه العكس ، والله أعلم فإن قيل : قد ورد التصنيف في جزاء السيئات قال تعالى : ( أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ) ( هود : 20 ) . فالجواب أن التضعيف هنا ليس على الحد المتقدم في تضعيف جزاء الحسنة ، فإن المراد هناك أن الحسنة الواحدة يتضاعف عليها الجزاء بعشر أمثالها إلى أكثر كما تقدم ، وأما المراد بتضاعف عليها الجزاء بعشر أمثالها إلى أكثر كما تقدم ، وأما المراد بتضعيف العذاب بتكثيره بحسب تكثير المجترحات ، لأن السيئة الواحدة لا يضاعف الجزاء عليها بدليل قوله تعالى : ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) ( الشورى : 40 ) ، وقد تمهد هذا ، وتقدم بقبل قوله في أهل الامتحان : ( يضاعف لهم العذاب ) ما يشهد بما ذكرته يبين المراد وهو قوله تعالى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 18 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) ( هود : 18 - 19 ) ، فهؤلاء كذبوا على ربهم وصدوا عن سبيله وبغوها عوجاً ، وكفروا بالجزاء ، فهذه مرتكبات عذبوا بكل مرتكب ( منها ) فتضاعف عليهم العذاب لتضاعف مرتكباتهم ، لكل مرتكب منها عذاب يخصه فليس ما ذكر من التضعيف في هذا الطرف على حد ما في الطرف الآخر ، وقد بين القرآن ذلك بغير الجواب عن تخليدهم وكيف نبه عليه أنه وفاق لكفرهم . * * * * *