تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( الصافات : 83 - 87 ) ، يسأل عن زيادة اسم الإشارة في قوله : ( مَاذَا تَعْبُدُونَ ) وسقوطها في سورة الشعراء ؟ والجواب عن ذلك أن قصص الرسل ، عليهم السلام ، مع أممهم لم تأت في القرآن العظيم على نهج واحد في الدعاء والجواب والمراجعة والمحاورة ، ولا يمكن ذلك لاختلاف طباع الأمم وأغراضهم واختلاف الحالات ، ولكل مقام مقال ، فمرة ترد القصة على الدعاء وإبداء الحجة والتوبيخ من غير ذكر شيء من جواب المدعوين سوى الإخبار بتكذيبهم ، ومرة يورد من مقالات الأمم لرسلهم اليسير ، ومرة يمد إطناب الكلام في المحاورات بين الرسل والأمم . فمن الضرب الأول قول إبراهيم ، عليه السلام ، في سورة الصافات : ( مَاذَا تَعْبُدُونَ ) إلى آخر القصة ، ولم يرد فيها كلمة واحدة من مراجعتهم له سوى الوارد من قولهم : ( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) ( الصافات : 97 ) ، وليس هذا بمراجعة له ولا جواباً على كلامه ، عليه السلام . ومن الضرب الثاني آية الشعراء فإنه ذكر فيها جوابهم بقوله تعالى مخبراً عنهم : ( قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ) ( الشعراء : 71 ) ، ثم لما سألهم ، عليه السلام ، تقريعاً لهم وتوبيخاً فقال : ( هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ) ( الشعراء : 72 - 73 ) جاوبوا بقولهم : ( قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) ( الشعراء : 74 ) . ومن الضرب الثالث قصة شعيب ، عليه السلام ، في سورة هود وأشباهها ، وتأمل القصص الواردة في القرآن تجدها جارية على ما ذكرته ، فلما كان في آية الصافات دعاء إبراهيم ، عليه السلام ، لهم مبيناً حالهم الشنيع وسيء مرتكبهم ممتد الإطناب فيما يقطع بهم من قوله : ( أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ) ( الصافات : 86 ) وقوله : ( قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ) ( الصافات : 95 ) ، وعيوا بالجواب ولم يحك عنهم غير قولهم : ( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) ( الصافات : 97 ) ، ناسب ذلك زيادة اسم الإشارة ، ولما كانت آية الشعراء واردة على غير هذا النهج ناسب سقوط اسم الإشارة فقيل : ( ما تعبدون ) ولم يقل ( ماذا ) كما في آية الصافات ، ومن المفهوم عن العرب أن المستفهم إذا قصد التقريع والتوبيخ أطال كلامه إدلاء بحجته وتعنيفاً لمن يخالفه ، والمقهور أبداً محصور . وقوله : ( ما تعبدون ) جملة تقدم فيها المفعول وهو ما الاستفهامية ، فهو في موضع نصب بالفعل بعدها ، وقوله في الآية الأخرى : ( ماذا ) استفهام أيضاً ركبت فيه ( ما ) مع اسم