تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
والجواب ، أن الآية الأولى في أمة معينة ، قد بين حالها وقبيح مرتكبها ، وتحصل العلم بكفرهم وظلمهم أنفسهم ، فقيل : ( فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ( المؤمنون : 41 ) ، ووقوع اسم الظلم عليهم على أتم ما يقع عليه ، من عدم الإيمان ، وارتكاب العظائم من كفر وتكذيب وقبيح الرد ، على ما تفصل في الآي قبلها ، وأما قوله بعد : ( ( فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ) ( المؤمنون : 44 ) فورد عقب إجمال إخبار بطوائف وأمم اجتمعوا في التكذيب ورد ما جائتهم به رسلهم ، فأعقب بوصف إذا وجد كان ما سواه من قول وعمل مناسباً له وبحسبه وهو عدم الإيمان ، ولم يكن وصفهم بالظلم ليعطي ذلك لوقوعه على الظلم بالكفر وعلى الظلم بمعصية والمعصية ليست كفراً ، ألا ترى أن بعض من يقع عليه اسم الظلم ويوسم به قد يكون مبقى عليه اسم الإيمان ، بل لم يقترن به ما يقتضي كفره ، أما من اتصف بعدم الإيمان فلا فلاح معه ، فلما اجتمع هؤلاء الظائف في عدم الإيمان وسموا به ، ولما كان عدم الإيمان حاصلاً لمن تقدم بما ذكر من تكذيبهم وأخذهم بالصيحة وجعلهم غثاء أعقب وصفهم بما ينبئ بالزيادة على كفرهم ، إذ الكفر حاصل . فإن قلت : فقد تقدم في وصف هؤلاء الأمم : ( كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ) ( المؤمنون : 44 ) ، وحصل من ذلك عدم إيمانهم فلم كرر ؟ ولِمَ لَم يوصفوا بالظلم ؟ قلت : لم يقع في ذكر هؤلاء تفصيل مرتكباتهم كما ورد فيمن تقدمهم ، فناسب إجمال الواقع من التكذيب إجال الوصف بعدم الإيمان ، وجاء كل من ذلك على ما يجب ، والله أعلم . الآية الرابعة من سورة المؤمنون - قوله تعالى : ( بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ( 81 ) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 82 ) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) ( المؤمنون : 81 - 83 ) ، وفي سورة النمل : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ( 67 ) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) ( النمل : 67 - 68 ) ، للسائل أن يسأل عن تقديم المضمر المذكور والمعطوف عليه على المفعول الذي ( هو ) ( ( هذا ) ) في آية المؤمنون وعكس ذلك في آية النمل ؟ والجواب عنه ، والله أعلم : أنه لما تقدم قبل آية المؤمنون قوله تعالى : ( أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ) ( المؤمنون : 68 ) ، فتقدم التعريف في هذه الآية أن آباءهم قد جاءتهم الرسل ، وأنذروا كما أنذر هؤلاء ، لهذا قالوا : ( لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) ( المؤمنون : 83 ) ، ولما لم يتقدم في آية النمل