تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
موصوفها كشيء واحد وإن كان الوصف بموصول ، والموصول يطول بصلته ، إلا أن طوله بصلته لا يزيله عن تقديره باسم واحد ، فمن حيث جعلت الصفة مع موصوفها كشيء واحد للحاجة إليها ، وكونها مفردة ، قرنت بموصوفها وتأخر المجرور ، فقال تعالى : ( فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ) ( المؤمنون : 24 ) ، وحيث لم يقع الاكتفاء بصفة واحدة وزيد عليها ، ولا يمكن جعل صفتين فما زاد مع موصوفها كشيء واحد ، قدم المجرور ، فقال تعالى : ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ( المؤمنون : 33 ) ، فوقع المجرور في كل من الآيتين على ما يجب ، وعطفت الصفات بعضها على بعض لورودها غير صفة . والجواب عن السؤال الثاني : أن وجه الزيادة على الوصف بالكفر في قوله تعالى : ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ( المؤمنون : 33 ) ، ( أنها ) منبئة بأن المذكورين في القصة الثانية ليسوا في شمول الكفر إياهم واستيلائه على معظمهم كقوم نوح ، عليه السلام ، بل الإيمان في هؤلاء أفشى وأكثر ، قال تعالى : ( وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) ( هود : 58 ) ، ولم يقع هنا وصف من آمن من قوم هود بقلة ولا بكثرة ، فبقى الاحتمال في الطرفين على حد سواء ، إلا أنه ورد في وصف الملأ المكذبين من قوم هو في هذه السورة ، ممن أفصح بالرد والتكذيب وصد الناس عن اتباعه ، ما يشعر بأنهم ليسوا أكثر قومه ، وذلك لما وصفهم به بعد الكفر من التكذيب والإتراف وهو التععم والترفيه ، والعقل شاهد أن المترفين ليسوا جميعهم ، أما الكفر فلا يبعد اتصاف أمة بأسرها به ، ويبعد اتصاف جميعهم بالامتداد في التنعم والترفه ، بل ذلك يمتنع به أن يتصف به الأكثر ، فأشعر وصفهم بما ذكر بعد كفرهم بكثرة ما ذكر فيمن عداهم بخلاف الحال في قوم نوح ، وأشعر أيضاً بامتدادهم وتمكنهم في دنياهم أكثر من غيرهم ، قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ) ( الفجر : 6 - 8 ) ، فأشعرت زيادة الوصف بتوسع الحال وامتداد الآماد ، فلم يكن بد من وصفهم بما ذكر . الآية الثالثة من سورة المؤمنون - قوله تعالى : ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ( المؤمنون : 41 ) ، ثم قال تعالى عند ذكر القرون : ( فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ) ( المؤمنون : 44 ) ، فقال في الأولى : ( فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ( المؤمنون : 41 ) ، ثم قال في الثانية : ( فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ) ( المؤمنون : 44 ) ، للسائل أن يسأل عن الفرق ؟