تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
تفريط ولا فتور في العبادة ، ثم قال : ( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) ، ومن أعرض عن اللغو سلم من كل ما يشين دينه ، وحصل من هذا وما قبله ترك الممخالفات جملة ، ثم قال : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ) ( المؤمنون : 4 ) ، وهذه أخت الصلاة ، قال تعالى : ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ) ( التوبة : 5 ) ، وقال بعد : ( فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) ( التوبة : 11 ) ، وقد حصل بحصول هذه الخصائص ما به وصف المتقون في قوله : ( يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) إلى قوله : ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ( البقرة : 5 ) ، فوضح منه أن هذه أخص صفات من أفلح وفاز برضى الله سبحانه ، فهذا ما أوجب تخصيص هذه السورة بالإفصاح بهذه الأوصاف الثلاثة . وأما ما خصت به سورة المعارج - وهو الجواب الثالث - إنه سبحانه لما وصف الإنسان بقوله : ( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) ( المعارج : 19 ) ، والهلوع الفزع الشديد يقال هلع بكسر ثانية فهو هلع وهلوع ، ثم ذكر سبحانه ما يثمره للإنسان هلعه فقال : ( إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ) ( المعارج : 20 ) ، والجزع ضد الصبر ، ( وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) ( المعارج : 21 ) والمنع ضد الإعطاء وكلا الوصفين من الجزع والمنع مذموم ، مأمور شرعاً بضدهما من الصبر والإيثار ، وقد أثنى سبحانه على الصابرين والمؤثرين ، فالهلع من أرذل صفات الإنسان ، فذكر تعالى صفات من سلم منه ، وأنهم المداومون على صلاتهم ، لأن المداومة على الصلاة عنوان على تلقي الأوامر بالقبول والامتثال ، ولا يكون ذلك إلا عن يقين صادق ، وقد قال تعالى : ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ ) ( طه : 132 ) ، ومن تيقن أن خالقه تكفل له برزقه أجمل في الطلب ، وذهب عنه الجزع ، ومن علم الحق في ماله من زكاة مفروضة أو صدقة مندوب إليها لم يكن منوعاً للخير ، فإذا اتصف بما ذكر ، وكان ذلك عن تصديق يقيني بيوم حسابه ، وإشفاق من عذاب ربه وعقابه ، ولم يأمن المكر ( فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) ( الأعراف : 99 ) ، فمن كان هكذا فليس بهلوع ، فلهذا استثنى من اتصف بهذه الصفات الجليلة عن مسببات الهلع من المنع والجزع ، فلهذا وجه تخصيص هذه السورة بالإفصاح بما خصت به من هذه الأوصاف مفحصاً به . وإنما قلت : مفصحاً به لأن ما ذكر في هذه السورة مما لم يقع به إفصاح في سورة المؤمنون داخل تحت ما ذكر هناك ، كما أن ما أفصح به هناك داخل تحت ما ذكر مفصحاً به هنا . ألا ترى أن أفعال المكلفين من الأحكام الخمسة وهي : الواجب والمحظور والمندوب والككروه والمباح ، كل ذلك داخل تحت ضابط الأمانة والوفاء بالعهد ، ومن