تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
أوفى بما عهد عليه الله في أمانة فقد أتى ووفي بجميع التكاليف الشرعية أخذاً وتركاً ، وكذا الصلاة الموصوفة تماماً وخشوعاً بأنها ناهية عن الفحشاء والمنكر ، إلا أن الإفصاح والتنصيص النطقي حكم ، عليه بنينا ما تقدم ، فقد وةضحت النسبة فيما خصت به كل واحدة من السورتين ، ووجه ما اتفقنا في وروده مفصحاً به ، والله سبحانه أعلم . وأما الشهادة فداخلة تحت الأمانة ، ووجه تخصيص هذه السورة بالإفصاح بها أنها الثانية في الترتيب الثابت ، فاستوفت وأكدت ما أشير إليه في الأخرى ، والله أعلم . الآية الثانية من سورة المؤمنون قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام : ( فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ) ( المؤمنون : 24 ) ، وفي القصة الثانية بعدُ : ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) ( المؤمنون : 33 ) ، في هاتين الآيتين سؤالان ، الأول : لِمَ قدم المجرور في القصة الثانية على الصفة فقيل : ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ( المؤمنون : 33 ) ولم يؤخر عنها كما ورد في قصة نوح مع الاتفاق في وصف الملأ في القصتين بالكفر ؟ والسؤال الثاني : وجه زيادة ما عطف على الوصف بالكفر في القصة الثانية من قوله : ( وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ( المؤمنون : 33 ) مع استحقاقهم العذاب بمجرد كفرهم ، فما ثمرة الزيادة عليه ؟ والجواب عن الأول : أن المجرور الذي هو : ( من قومه ) رافع إمكان أن يكون القائلون غيرهم . ويليه في الحاجة إلى ذكره وسمهم بالكف ، لأنه سبب أخذهم وهلاكهم ، إلا أنه لما كان قد يفهمه سياق الكلام لم يلزم الإفصاح ( به ) في كل موضع وإن أفصح به هنا ، ألا ترى أنه لم يرد في قصة نوح ، عليه السلام ، من سورة الأعراف ، أما الإفصاح بالمجرور فالإفصاح به أو بضمير يقوم مقامة ضروري لابد منه ليحصل منه تخصيص اعتناء برفع المفهوم ورفع احتماله جملة يقدم في فصيح الكلام وإن كان فضلة ومنه : لتقربن قربا جلزيا ما دام فيهن فصيل حيا أي ما دام في هذه النوق ، فرفع بتقديم المجرور احتمال أن يكون المراد ما دام في الوجود ، وقد تقدم مصل هذا ، فكما يقدم على الخبر فكذلك يقم على الصفة للحاجة إليه . فإن قلت : لا فرق بين هذه القصة وقصة نوح قبلها في الحاجة إلى هذا المجرور أو ما يقوم مقامه فَلِمَ لَمْ يقدم هناك ؟ قلت : لم يرد هناك غير صفة واحدة جعلت مع