تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣

الآية الثامنة

من سورة الأنبياء قوله تعالى : ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ) ( الأنبياء : 92 - 93 ) ، وفي سورة المؤمنون : ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) ( المؤمنون : 52 - 53 ) ، للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى : ( فَاعْبُدُونِ ) وفي الثانية : ( فَاتَّقُونِ ) ؟ وفي الأولى : ( وَتَقَطَّعُوا ) وفي الثانية ( فَتَقَطَّعُوا ) ؟ وفيها أيضاً : ( زُبُرًا ) ولم يرد في الأولى ؟ وأتبعت الأولى بقوله : ( كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ) والثانية بقوله : ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) ؟ فهذه أربعة مواضع مما يسأل عنها ؟ فأقول تمهيداً للجواب : الأمة هنا الملة ، وقوله : ( إِنَّ هَذِهِ ) إشارة إلى ملة الإسلام ، قال الزمخشري : أي ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها ، لا تنحرفون عنها ، ملة واحدة وغير مختلفة ، وأنا إلهكم إله واحد فاعبدون ، والخطاب للناس كافة ، قال : والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات ، كأنه ينفي عنهم ما أسمدوه ، ويقبح عندهم فعله ، ويقول لهم : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله ، قال والمعنى جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً كما تتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه فيصير لهذا نصيب ولذالك نصيب ، تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى ، ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون ، فهو يحاسبهم ويجازيهم ، هذا معنى كلامه . ونرجع إلى الجواب ( فنقول : الجواب ) عن الأول أن سورة الأنبياء لم يرد فيها ذكر لفظ التقوى في أمر ولا خبر من أولها إلى آخرها ، وورد الأمر بالعبادة في قوله : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) ( الأنبياء : 25 ) . وأما سورة المؤمنون فتكرر فيها ذكر التقوى في ثلاثة مواضع ، أولها - قوله تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) ( المؤمنون : 23 ) ، وفي ما بعد الآية المتكلم فيها ( قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) ( المؤمنون : 87 ) ، فروعي في الأولى ما تقدمها ، ونوسب بالثانية ما اكتنفها ، وأيضاً فإن العبادة مأمور بها ليحصل الاتقاء ، فهي مقدمة في الطلب لتحصيل ما يتسبب عنها إذا كانت الإجابة ، وعلى ذلك ورد دعاء الخلق ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ( البقرة : 21 ) ، وفي سورة المؤمنون المذكورة : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا