تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
المفتتح باسمها في آية التحريم ، أعيد الضمير هنا إليها من حيث إن ذلك تخصيص وتكريم جليل وآية باهرة ، وقد قصد ههنا تشريفها وتشريف ابنها ، عليه السلام ، بالذكر في قوله : ( وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً ) ( الأنبياء : 91 ) ، ولم يقع في آية التحريم ذكر ابنها ، فلما اتسع المقصود هنا بذكر من لم يذكر هناك ، وقصد من التشريف ما هو أكثر ، ناسبه التوسعة في عودة الضمير ، فأعيد إلى الذات المطهرة ( بجملتها ، فقيل ) : ( فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا ) ، وأفهم ذلك ما أفهمه الضمير الخاص بمحل النفخ من غير إشكال ، وقيل في آية التحريم : ( فيه ) لعوده إلى الموضع المخصوص على ما يجب ، لم يقصد هنا من توسع المدح ما قصد في الأولى ، وإنما قصد بآية التحريم تخصيصها في ذاتها بعظيم إيمانها ، وتصديقها ، وإثباتها في القانتين ، وتشبيه حالها في سابق سعادتها بالمذكورة قبلها ، واجتماعهما في ضرب المثل بهما للمؤمنين ، فالحامل على ذكرها هنا غير الحامل في سورة الأنبياء مع اتحاد الوصف الواقع به التمدح ، مع تناظر الألفاظ ( وتشاكلها ) ، وهي قوله تعالى : ( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ) ( الأنبياء : 91 ) ، فاجتمع في هذا الموضع ما قصد من مدحها ومدح ابنها ، عليه السلام ، مع مضارعة الألفاظ وتشاكلها ، فجاء كل على ما ثبت فيه ، ولم يقصد في التحريم غير ذكرها بالحال التي ناسبتها فيها امرأة فرعون ، ولم يوسع الكلام بذكر ابنها ، عليه السلام ، كما ذكر في الأخرى ، ولا هنا داعية تشاكل كما هناك ، فلهذا ورد الضمير على ما ورد من الخصوص فقيل : ( فيه ) . والجواب ، عن وجه اختصاص كل واحد من الموضعين بالوارد فيه : أن آية الأنبياء ورت منسوقة على آيات تضمنت ذكر جملة من الرسل ، موصوفين بخصائص عليه وآيات نبوية ، أولهم إبراهيم ، عليه السلام ، ثم ابنه إساحاق ثم ابنه يعقوب ثم نوح ولوط وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وذو النون وزكرياء ، فلما ذكر هؤلاء العلية ، عليهم السلام ، بخصائص ومنح ناسب ذلك ذكر مريم وابنها بما منحا عليهما السلام . وأما آية التحريم فمقصود فيها ذكر عظيمتين جليلتين يبين بهما حكم سبقية القدر بالإيمان والكفر ، وهما قضية امرأتي نوح ولوط ، وإن انضواءهما إلى هذين النبيين الكريمين ، عليهما السلام ، انضواء الزوجية التي لا أقرب منها ، ومع ذلك لم يغنيا عنهما من الله شيئاً ، وقصة امرأة فرعون وقد انضوت إلى أكفر كافر ، فلم يضرها كفره ، ثم ذكرت مريم ، عليها السلام ، للالتقاء في الاختصاص وسبقية السعادة ، ولم يدع داع إلى ذكر ابنها فلا وجه لذكره هنا ، وأما آيةالأنبياء فلذكره هناك أوضح حامل ، فجاء كل على ما يجب ، ولا يمكن فيه عكس الوارد ، والله أعلم .