تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
وقوله : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) ( الأنبياء : 7 ) ، ثم قال : ( وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ) ( الأنبياء : 8 ) إلى قوله : ( ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ ) ( الأنبياء : 9 ) ، فنبهوا على السؤال ، ثم ذكر من قصص الأنبياء أوضحه وأجلاه لمن اعتبر ، وأورد ذلك إيراد التلطف بذكر تخليص أولئك العيلة ، عليهم السلام ، وقال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ) ( الأنبياء : 25 - 26 ) ، ونظير هذا قوله تعالى : ( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ) ( الرعد : 30 ) . فهذه الآي في قوة أن لو قيل : نحن نبين لهم وهم يكفرون ، فهو سبحانه يذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم أحوال الأمم مع الرسل مع مشاهدة الآيات تأنيساً له صلى الله عليه وسلم وتذكيراً بالصبر على قومه ، ( فعلى ) هذا المنهج جرى الوارد من قوله : ( وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ ) ( الأنبياء : 93 ) أي نبهناهم على السؤال ، وأوضحنا ( لهم ) أمر من تقدمهم وعاقبة الاستجابة لمن تمسك بهدي المذكورين ، وهم مع ذلك على عنادهم وافتراقهم ، وكأن الكلام وارد مورد التعجب من أمرهم ، ولم يشبه شدة الوعيد ليبقى رجاؤه ، عليه السلام ، في استجابتهم ، فلم يخل معنى الكلام مع الإخبار بتفرقهم عن بعض إبقاء تأنيس مناسباً لما تقدمه ، ولهذا لم يقع بعد الآية تسجيل بتصميم على الكفر ولا إمعان في طرف التخويف الوارد في آية المؤمنون من قوله : ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) ( المؤمنون : 53 ) إلى قوله : ( بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ) ( المؤمنون : 56 ) كما في آية الأنبياء آنفاً . أما قوله في المؤمنون : ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) ( المؤمنون : 53 ) فمنزل على ما قبله منزلة قوله في سورة النحل : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) ( النحل : 36 ) إلى قوله : ( وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ) ( النحل : 36 ) ، وهذا وعيد شديد لمن حقت عليه كلمة العذاب ولم يجد عليه التذكار ، فكان مجموع هذه الآي في قوة أن لو قيل لهم : قد بين لكم ، وأطلعتم على مآل من كذب ، وخوطبتم بما قيل للرسل : ( كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) ( المؤمنون : 51 ) ، وملة الكل ملة واحدة ، ولم تؤمروا بما لا تطيقونه ، فتقطعتم . إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات ، كما جرى في سورة الأنبياء فقيل : ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ ) أي فتفرقوا وما أجدي عليهم القرآن شيئاً ، فهذه الآية أشد في التخويف والترهيب من الأخرى ، وكل يناسب ما قبله . ولو وردت إحداهما موضع الأخرى لما ناسب ، والله أعلم .