إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) ( المؤمنون : 23 ) ، فالاتصاف بالتقوى ثان عن الاتصاف بالعبادة ، فقيل في الأنبياء : ( فَاعْبُدُونِ ) وفي سورة المؤمنون : ( فَاتَّقُونِ ) ، وكلاهما ذكر على مقتضى الترتيب ، وأيضاً فإنا إذا اعتبرنا ما قدم من قصص الرسل في السورتين وجدنا الوارد في سورة الأنبياء مقصوراً على ذكر منحهم وتخليصهم وتأييدهم من لدن قوله تعالى في إبراهيم : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ) ( الأنبياء : 51 ) ، وقوله : ( وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) ( الأنبياء : 73 ) ، فتضمنت هذه الآي بضعة عشر نبياً ، أولهم إبراهيم وآخرهم من أعقب ذكره بالآية المذكورة ، وقد اقتصر من قصصهم في هذه الآي على ما يطلع المؤمنين على تكفله سبحانه بالمصطفين من عباده وما اختصهم به ، ولم يرد مع ذلك تكذيب قومهم لهم ، ولا ما يرجع إلى هذا وكل هذا تأنيس وذكر نعم وآلاء وألطاف يناسبها قوله : ( فَاعْبُدُونِ ) لكونه أمراً بالعبادة مجرداً عما في قوله : ( فَاتَّقُونِ ) من التخويف .
وأما الوارد في سورة طه فمتضمن الطرف الذي عدل عنه في سورة الأنبياء ، وهو ذكر جواب الأمم للرسل وقبيح تكذيبهم إياهم وشنيع ردهم وقبيح مقالهم كقول قوم نوح ، عليه السلام : ( مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ) ( المؤمنون : 24 ) ، ( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ) ( المؤمنون : 24 - 25 ) ، ثم بالغوا في الاستهزاء بقولهم في إخبار الله تعالى عنهم : ( فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ) ( المؤمنون : 25 ) ، وقول أهل القرون المذكورين بعد قوم نوح لنبيهم : ( مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) ( المؤمنون : 33 ) ، وقوله : ( وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ) ( المؤمنون : 34 ) إلى قوله : ( إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ) ( المؤمنون : 38 ) ، وقوله تعالى لما تواتر ذكر إرسال الرسل وتكذيب قومهم لهم فقال تعالى : ( كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ) ( المؤمنون : 44 ) إلى قوله : ( فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ) ( المؤمنون : 44 ) ، وقال تعالى مخبراً عن قوم موسى : ( فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ) ( المؤمنون : 46 ) ، فناسب هذا التخويف بقوله عقب هذا : ( فَاتَّقُونِ ) ، كما ناسب ما تقدم في آية سورة الأنبياء قوله تعالى : ( فَاعْبُدُونِ ) ، ولم يكن ليناسب ورود واحدة منها موضع الأخرى ، فجاء كل على ما يجب ، ولا يمكن خلافه .
والجواب عن السؤال الثاني ، وهو الفرق بين قوله في سورة الأنبياء ( وَتَقَطَّعُوا ) ، وفي سورة المؤمنون ( فَتَقَطَّعُوا ) بفاء التعقيب : أنه ورد في آي الأنبياء قبل هذه الآية تأنيساً لنبيا صلى الله عليه وسلم قوله : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ) ( الأنبياء : 7 )
ملاك التأويل — صفحة 354
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٣٥٤