تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
والجواب عن السؤال الثالث : أن قوله في آية المؤمنون ( زُبرا ) تأكيد لافتراقهم ، وانتصابه على الحال الواردة بياناً وتأكيداً لقبح تفرقهم وشنيع مرتكبيهم ، فناسب ذلك مقصود هذه الآية هنا من التخويف والإنذار ، ولم يكن ليناسب آية الأنبياء لبنائها على غير ما قصد هنا ، لما تقدمها من تأنيس نبينا صلى الله عليه وسلم ، وتعريفه بما منح سبحانه متقدمي الرسل ، وما أعقبهم صبرهم على أممهم ، وهو ، عليه السلام ، قد قيل له : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) ( الأنعام : 90 ) ، فقدم له ، عليه السلام ، في سورة الأنبياء من قصصهم ما ثبت فؤاده ، وصار جليل هذا التأنيس مما بنيت عليه السورة ، وعلى ذلك جرت سورة مريم وسورة طه على ما مهدته وبسطته في ترتيب هذه السور الكريمة ، فمن حيث الإشارة إلى ما ذكر لم يكن ليناسب ذلك تأكيد افتراقهم وتشتتهم ، ولما رجع الكلام للآية الثانية ، بعد تثبيته ، عليه السلام ، وتأنيسه ، إلى التعريف بمرتكبات الأمم ، وذكر ما استحقوا به ما عوقبوا به ، وإن كلاً من المكذبين أخذ بذنبه ، كان ذلك مظنة تأكيد المرتكب ، فقيل : ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا ) ( المؤمنون : 53 ) ، والله أعلم . والجواب عن السؤال الرابع : أن تعقيب آية الأنبياء بقوله : ( كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ) ( الأنبياء : 93 ) وإن كان وعيداً وتهديداً فليس في شدة التهديد ومخوف الوعيد كالواقع في سورة المؤمنون ، يوضح ذلك ويبينه ما اتصل بكل من الآيتين من قوله في آية الأنبياء : ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ) ( الأنبياء : 94 ) ، فذكر عند وجوعهم إليه سبحانه جزاء من أجاب وأحسن ، وطوى الكلام عن الإفصاح بحكم الطرف الآخر من ذكر من أساء ، فلم يجر لهم ذكر مفصح به كما في الطرف الآخر ، مع أن إجمال قوله تعالى : ( كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ) ( الأنبياء : 93 ) وما أعقب به من قوله : ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) ( الأنبياء : 94 ) كقوله في آية المؤمنون : ( فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) ( المؤمنون : 54 ) وقوله : ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ) ( المؤمنون : 55 - 56 ) فقد وضح مناسبة المتبع به في كل من الآيتين لما تقدمه ، ولم يكن ليناسب عكس الوارد ، والله أعلم .