تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
والإنس بهذا النمط ، قال تعالى مخبراً عن حالهم في الآخرة : ( رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ) ( فصلت : 29 ) ، فالصفتان من الخسران والسفالة غاية حالة الكافر ، ومن كان من الأسفلين فقد خسر خسراناً مبيناً ، فلا تضاد بين الصفتين سوى أن السفول لاحق في ذات المسفل ، والخسران حقيقة في خارج عنه ، فالسفول أبلغ ، فقد ما هو لاحق خارجي ، وأخر ما لا يتعدى ذات المتصف تكملة وتتمة ، إذ هو أبلغ على ما يجب وعلى ما قدمنا من رعي الترتيب ، والتسفل ( ضد ) التّعالي ، فورد كل على ما يجب ويناسب ، وقيل روعي في آية والصافات مقابلة قولهم : ابنوا له بنياناً ، لأنه يفهم منه إرادتهم علو أمرهم بفعلهم ذلك ، فقوبلوا بالضد ، فجعلوا الأسفلين . قال معناه صاحب الدرة ، وهو حسن ، والله أعلم . الآية السادسة قوله تعالى : ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) ( الأنبياء : 83 - 84 ) ، وفي سورة ص : ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) ( ص : 41 - 43 ) ، ففي آية الأنبياء : ( رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ) وفي آية ص : ( رَحْمَةً مِنَّا ) ، وفي آية الأنبياء : ( وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) ، وفي آية ص : ( لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) ، فيسأل عن الفرق بين الوصفين ؟ ووجه الاختصاص ؟ والجواب على الجملة ، والله أعلم : أنه لما ورد في الأنبياء تلطف أيوب عليه السلام بقوله : ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) ( الأنبياء : 83 ) ، فلما تلطف في سؤاله ، ولم يفصح ، عليه السلام ، تلطفاً وتضرعاً بعظيم ما أصابه من البلاء إفصاحه في آية ص بقوله : ( مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) ( ص : 41 ) ، فبني كل ( من الأيتين ) على ما يباسبه ، فقيل جواباً على عظيم تضرعه وتلطفه في قوله : ( مَسَّنِيَ الضُّرُّ ) ما يلائم لطيف هذه الشكوى ، وعلى قوله ( مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) ما يناسب إفصاحه بهذه البلوى ، فقيل بناء على الأول : ( فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ) ( الأنبياء : 84 ) ، وقيل بناء على الثانية : ( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ) ( ص : 42 ) ، لما وقع ذكر الشيطان ، وأنه السبب في ذلك الامتحان ، جووب باستعمال سبب فقيل له : اركض برجلك واغتسل وذلك يذهب عنك ما مسك به الشيطان ، وحين لم يذكر ، عليه السلام ، واسطة جووب برفع ما به بغير واسطة سبب ، فقيل جواباً لقوله : ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ) ( الأنبياء : 84 ) ، وبني على الأول قوله : ( رَحْمَةً
ملاك التأويل — صفحة 350 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي