تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
وأضربوا عن طرفي الإثبات والنفي إلى تقليد الآباء وقالوا : ( بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) ( الشعراء : 74 ) ، وحصل من جوابهم بمفهوم الإضراب ببل أن آلهتهم لا تسمع ولا تنفع ولا تضر ، إذ لو اتصفت بوجود هذه الصفات لما عدلوا إلى الإضراب . فإن قيل إنما أضربوا عن أن يجيبوا بنفي أو بإثبات فكيف يقال : إن اعترافهم حاصل بأنها لا تسمع ولا تنفع ولا تضر ؟ فأقول : لو وجدوا أدنى شبهة لتراموا عليها ، فقد وضح أن جوابهم هنا بناء على ما بنوه جواباً عليه لا يمكن غيره إلا بمخالفتهم المحسوس لو أنهم قالوا : إنها تسمع أو تنفع أو تضر ، أو نسبتهم أنفسهم إلى ما عذر لعاقل في ارتكابه ، ولا شبهة لو أفصحوا جواباً بأنها لا تسمع ولا تنفع ولا تضر ، ثم استمروا على عبادتهم إياها ، فأضربوا عن ذلك إلى اعتمادهم على تعبد آبائهم ، وجعلوا ذلك حجة على مرتكبهم على وهن هذا التعليق ، ولهذا قيل لهم : ( قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) ( الأنبياء : 54 ) ، إن جوابهم هنا ببل لازم لما قصده ، ولا يمكن بسقوطها ، وإن جوابهم في آية الأنبياء لا يمكن فيه بل بوجه ، فورد كل على ما يجب ويناسب ، والله أعلم . والجواب عن السؤال الثاني أنه لا حامل على القول بأن القصة واحدة ، وإذا أمكن أن يكون ذلك في محلين ووقتين لم يلزم اتحاد الجواب ، فلا سؤال ، والله أعلم . الآية الخامسة قوله تعالى : ( وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ) ( الأنبياء : 70 ) ، وفي الصافات : ( فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ) ( الصافات : 98 ) ، هنا سؤالان : أحدهما : ما وجه الاختلاف مع اتحاد المقصود في الموضعين ؟ والثاني : ما وجه اختصاص كل من الموضعين بما ورد فيه ؟ والجواب عن السؤالين معاً : أن الخاسر عندنا من فقد ما بيده من مال أو سبب كان يعتمده لدنياه ومعاشه ، أو محاولة فسدت عليه فساءت حاله ، لذلك ومهما استحكمت حاله في ذلك كان أخسر ، وقد جعل سبحانه في الخسران المبين من خسر الدنيا والآخرة ، وأعلمنا تعالى أن الأخسرين لا يقام لهم ( وزن في القيامة ، قال تعالى : ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ) ( الكهف : 103 ) إلى قوله : ( فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) ( الكهف : 105 ) ، فلا أدون حالاً من هؤلاء . ولما أراد قوم إبراهيم ، عليه السلام ، به الكيد ألحقهم تعالى بهؤلاء عقوبة توافق مرتكبهم وسوء انتحالهم ، والأخسرون هم الأسفلون ، وهذا كان مطلب الكافر في الآخرة وتمنيه لو بلغه إلحاق من أضله من الجن