تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
ثم من الألفاظ على الجملة مجازية ، وهي الواقعة على مسمياتها ( لا ) على أنها أسماء لها بل وضعت لمناسبتها لما وضعت الأسماء الحقيقية بإزائها ، ومن المعلوم في عوارض التركيب الضرب المسمى بلحن الخطاب ، وهو خذف الكلمة من الجملة مع إرادتها ، ودلالة السياق والمعنى عليها ، كالواقع في قوله تعالى : ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ) ( الشعراء : 63 ) ، ولا شك أن المراد : فضرب فانفلق ، ومما يلحق به عند الجمهور - إلا من قول بقول الكرخي - ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ( البقرة : 184 ) ، والتقدير : فأفطر فعدة من أيام أخر ، فهذا من لحن الخطاب ومن معروف التخاطب الجاري ، وهي دلالة المنطوق على مسكوت عنه يفهمه السياق وقصد المتكلم من عرف اللغة ، نحو فهم ( منع ) الضرب والشتم من قوله تعالى : ( فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) ( الإسراء : 23 ) ، وهذا الضرب من المفهوم يجاري النصوص ولهذا لم يختلف فيه من أنكر القياس ، فهذه جملة يستعان بها على تلقي ما يرد ، وليست خاصة بالذي نحن فيه من هذه السورة ولا بموضوع دون موضوع . ثم من المعلون - بإعلام الله سبحانه - أنه تعالى لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه ، فموسى ، عليه السلام ، إنما خاطب أهله في هذه المحاورة باللسان العبراني ( الذي هو لسان قومه ، وجل كلام ربنا عن الحرف والصوت والتقييد بالجملة ، فالوارد في كتابنا إنما هو حكاية المعنى الذي خوطب به موسى ، عليه السلام ، وخاطب به ، واللسان العبراني ) أقرب الألسنة إلى اللسان العربي ، فما المانع أن يجري فيه ويطرد كل ما في اللسان العربي من الضروب المذكورة قل أو كثر ( ذلك ) . ( ثم ) في الجواب عما تقدم ما لا يفتقر فيه إلى بنائه على ما مهدناه . فأقول مستعيناً بالله سبحانه في قول موسى ، عليه السلام ، لأهله : ( امكثوا ) وسقوط ذلك في سورة النمل قد يكون مما قاله ، عليه السلام ، نطقاً باللغة التي كلمهم بها ، وقد يكون مما فهمه عنه أهله بإشارة أو قرينة أو حال ، فيكون قد أمرهم بذلك على كل حال فإما بنطق أو غيره ، فمرة حكى معنى نطقه أو مراده بما قد فهم عنه أهله الأمر ، ومرة اكتفى بما بعد ( هذا ) الأمر اقتصارً على ما يحصل المقصود ، فلا اختلاف ولا اعتراض في ذلك . وأما قوله : ( لَعَلِّي آتِيكُمْ ) في السورتين وقوله في النمل : ( سَآتِيكُمْ ) فإن حرف التسويف يفهم الاستقبال ، و ( ولفظ ) لعل أيضاً يعطي ذلك مع زيادة الترجي والطمع ، فيمكن لتقارب معنييهما أن يكون في لسانهم عبارة موضوعة للمعنيين معاً ، فلم يكن بد من ورود الحرفين عند الحكاية ليحرز ذلك وقوع المعنى وحصوله على ما هو في لسانهم .