تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
طه فمقاطع آيها لازمة الألف المقصورة وعلى ذلك أي السور كلها ، وأما النمل والقصص فقد اكتنف الواقع في آي هذه القصة فيها ما مقطعه النون الواقع قبلها الياء والواو الساكنتان بحسب ما تقدمهما من حركتي الضمة والكسرة . فإن قلت : إن السورتين مستويتان في هذا فما الفارق ؟ قلت : الإيجاز والطول ، أما سورة النمل فأوجز في هذا المقصد ، وأما سورة القصص فإن خبر موسى ، عليه السلام ، فيها يكاد يستغرق آيها كلها ، فناسبه طول الوارد فيها مما فيه الكلام ، وذلك غير خاف . وتأمل الوارد في سورة طه من قوله تعالى مخبراً عن نبيه موسى ، عليه السلام ، من قوله : ( أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ) ، ومناسبة ذلك لما بنيت عليه سورة طه من تأنيس نبينا صلى الله عليه وسلم ، وافتتاحها بقوله تعالى : ( مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) ( طه : 2 ) ، يلح لك التلاؤم والتناسب ، وقد وضح أن كل ما في كل سورة من السور الثلاث من هذه القصة لا يلائم غيرها ، وأن كل قصة منها لا يحسن وقوعها في موضع الآخر لعدم المناسبة وبعد التلاؤم ، والله أعلم . الآية الثانية من سورة طه - قوله تعالى : ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ) ( طه : 15 ) ، وفي سورة غافر : ( إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ) ( غافر : 59 ) ، للسائل أن يسأل عن تخصيص آية طه بقوله في وصف الساعة : ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) ووصفها في سورة غافر بقوله : ( لَا رَيْبَ فِيهَا ) ؟ فهذان سؤالان . والجواب عن الأول منهما : أن آية طه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، يتضمن تأنيسه وتسليته عن حال كفار قريش في ( توقفهم عن ) الإيمان ، فافتتحت السورة بأجل التأنيس وهو قوله تعالى مبشراً لنبيه ، عليه السلام ، مقسماً على ذلك : ( مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) ( طه : 2 ) ، ثم تابع التعريف بتعظيم الكتاب ، وذكر منزلته سبحانه وتعالى بما انفرد فيه من ملك السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، ووصفه بأنه يعلم السر وأخفى ، وانفراده بأسمائه الحسنى ، ثم عرف نبيه صلى الله عليه وسلم بابتداء ( أمر ) موسى ، عليه السلام ، ( إلى قوله ) : ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ) ( طه : 15 ) تعريفاً بعظيم خفاء أمر الساعة وتغيب كنهها عن الخلق حتى كأن أمرها لم يخبر عنه ولا وقع تعريف بشيء منه ، فهو إخبار بفرط إخفاء أمرها ، وذلك إعلام بوصف وحال من قد تقرر بوقوعها يقينه ، وانطوى على علم كيانها إيمانه ، ولما كان هذا الخطاب والتعريف لمن جرى ذكره من تنزهه صلى الله عليه وسلم عن الارتياب في أمر الساعة ، لم يحتج إلى نفي الريب ، إذ مقام النبوي في الإيمان بها المقام الذي لا يداني ، فلم يكن نفي الارتياب ليلائم ولا يناسب ، وإنما عرفوا بحال وصف تابع .
ملاك التأويل — صفحة 335 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي