تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
أما آية غافر ، في أكثر الخطاب المتقدم قبلها ، من أول السورة إليها ، خطاب لقريش وسائر كفار العرب . وهم المجادلون في أمر الساعة ، والجاهلون بكيانها ، والقائلون : ( إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) ( المؤمنون : 37 ) ، فقدم لهم قبل ذكر الآيات قوله تعالى : ( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ) ( غافر : 57 ) ، فذكروا بما لا يمكن لأحد من المخلوقين إلا الاعتراف بعظيم أمره والعجز عنه ، وهو بدخول اللام ونفي الريب في ذلك ، وذلك أوضح شيء في المناسبة ، فكل من الآيتين وارد على أتم مناسبة ، ولا يمكن أن يقع الوارد في سورة غافر في سورة طه . ولا الوارد في سورة طه في سورة غافر ، والله أعلم بما أراد . والجواب عن الثاني : أن آية طه وردت أثناء خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأنيس والتسلية عما يلقاه من مكابدة قريش وسائر كفار ( العرب ) ، وتعريفه بما جرى لموسى ، عليه السلام ، وظهوره على فرعون ، فلم يكن ليناسب ذلك تأكيد الخبر عن أمر الساعة ، إذ هو ، عليه السلام ، من أمرها على أوضح الجادة . أما آية غافر فإن قبلها تعنيفاً لكفار من قريش وغيرها ، وعلى ذلك استمرت الآيات من أول السورة إلى قوله : ( إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ ) ( غافر : 56 ) ، إلى قوله : ( قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ) ( غاف : 58 ) ، فناسب ذلك من حالهم تأكيد الإخبار عن إتيان الساعة بدخول اللام ، وصيرورة الآية بذلك في قوة المقيس عليه تحقيقاً للأمر وتأكيداً لما في طي ذلك من وعيدهم بسوء مآلهم ، فورد كل من الآيتين على ما يناسب ، والله أعلم . الآية الثالثة من سورة طه - قوله تعالى : ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ) ( طه : 24 - 36 ) ، وفي سورة الشعراء : ( وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) ( الشعراء : 10 - 14 ) ، وفي سورة القصص : ( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ
ملاك التأويل — صفحة 336 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي