هُدًى ) ولم يذكر ذلك في السورتين ؟ فهذه مواضع اختلفت العبارة ( فيها ، واختلفت ) في الزيادة والنقص ، والتقديم والتأخير والتعويض ، مع أن الإخبار عن واقعة معينة وقصة متحدة ، والخبر الواحد الصدق لا تمكن فيه الزيادة ولا النقص ولا النسخ من حيث هو خبر ولا شيء مما ذكر ، ( ويرجع ) السؤال فيها إلى شيئين : أجدهما وجه الاختلاف ؟ والثاني وجه تخصيص كل موضع بما خص ( به ) ؟
فأقول مستعيناً بالله وسائلاً منه سبحانه ( توفيقه ) وإرشاده أن المعاني المتصورة في الأذهان المعقولة القائمة بنفوس العقلاء لا تحصل تعديتها إلى غير من قامت به إلا بالعبارات المترجمة عنها الألفاظ الاصطلاحية ، وربما خوطب العالم بغيرها وما سوى اللفظ من إشارة وغيرها لا يستقل في تحصيل المعنى المترجم عنه استقلالها ، وبالجملة فلم يخاطب إلا بها ، وإذا تقرر هذا ، فمن المعلوم أن اللفظ بالتفات مدلوله المعنوي يتعدد ، ومرجع الألفاظ بالنظر إلى مسمياتها ينحصر في أربعة أقسام : إما أن يتحد اللفظ والمعنى ، أو يختلف اللفظ والمعنى ، أو يتحد اللفظ ويختلف المعنى ، أو يختلف اللفظ ويتحد المعنى ، ولا يقتضي النظر العقلي زائداً على هذا التقسيم ، وعلى مقتضاه دارت اللغات ، وتخاطب العقلاء .
فالقسم الأول وهو المتحد اللفظ والمعنى هو المتواطئ ، وهو دلالة لفظ على معنى ، ثم يعرض لذلك المعنى عند التشخص كثرة فيكون ذلك اللفظ يدل على تلك الاشخاص بتواطئ ، ومثاله : وجل وفرس وأسد ، ومنه دلالة اسن النوع كالإنسان على أشخاصه ، وكذلك دلالة الجنس على أنواعه كالحيوان على الإنسان والفرس والطائر .
والقسم الثاني هو مختلف اللفظ والمعنى ، وهي الأسماء المتباينة ، وهي أسماء مختلفة لمعان مختلفة ، كل اسم منها يخص معناه الذي وضع له ، نحو السواد والبياض والقدرة والعجز .
والقسم الثالث ما اتحد فيه اللفظ واختلف المعنى ، وهي الأسماء المشتركة نحو عين للعضر الباصر وعين الماء ونحو ذلك ، فاللفظ متحد والمعنى مختلف .
والقسم الرابع هو ما تعدد لفظه واتحد معناه ، وهي المترادفة كالأسد والليث للحيوان المعروف ، ثم يعرض للمشترك ، وهو المتحد اللفظ مع اختلاف المعنى ، تفاوت في قوة دلالته على ما تحته ، وأعني بالتفاوت استقلال المعنى بنفسه غير مفتقر إلى الغير ، وعدم استقلاله ، ( فينقسم ) بحسب هذا إلأى متواطئ ومشكك كوقوع اسم موجود عليهما تفاوت بين ، فهو في وقوعه على الجوهر ( من ) قسم المتواطئ ، ووقوعه على العرض بتشكيك .
ملاك التأويل — صفحة 332
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٣٣٢