تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
التناسب في مقاطع الآي وفواصلها ، فلم يكن ورود الآيتين في السورتين على غير ما ورد ليناسب ، فجاء ذلك على ما يجب من الوجهين المذكورين ، والله أعلم بما أراد . الآية الخامسة من سورة مريم ، عليها السلام ، قوله تعالى : ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) ( مريم : 59 - 60 ) ، وفي سورة الفرقان : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ( 68 ) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ( 69 ) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) ( الفرقان : 68 - 70 ) ، للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى : ( وَعَمِلَ صَالِحًا ) وفي الثانية ( وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ) ؟ وعن قوله في الأولى في جزائهم ( فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) ( وفي الجزاء في الثانية : ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) ؟ والجواب : أن الآية الأولى ورد قبلها بعد ذكر المنعم عليهم ومن اهتدى بهديهم قوله : ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) ( مريم : 59 ) ، وهذا قول موجز مجمل ، فناسبه الإيجاز في قوله ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا . . . . ) الآية ، فتناسبا في التقابل الإيجازي كما تناسبا أيضاً في الفواصل ومقاطع الآي ، وذلك قوله تعالى : ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) وقوله : ( وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) ، والمسهل من القراء يقول : شيا فيقف الياء المشددة . وأما قوله في آية الفرقان : ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) ( الفرقان : 70 ) فإطناب يناسب التفصيل الواقع قبله في قوله : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ) ( الفرقان : 68 ) ، ثم قال : ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) ، يريد ما ذكر المتصف بتقوى الله بتركه والتنزه عن مواقعة شيء منه - ( يَلْقَ أَثَامًا ) ( الفرقان : 68 ) ، ثم فسر ما يلقاه ( بقوله ) : ( يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ، أي يكثر عليه ويزداد ( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) ( الفرقان : 69 - 70 ) ، فحصل بإزاء مضاعفة العذاب لفاعل ذلك تبديل السيئات بالحسنات إلى الغفران والرحمة ، فإيجاز بإيجاز وإطناب بإطناب مناسبة بين الجواب وما جووب به ، وكل على ما يجب ، ولا يسوغ العكس على ما تمهد ، والله أعلم . * * * *
ملاك التأويل — صفحة 330 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي