عليه السلام ، بأخيه هارون ، ثم اختلف الوصف بالنبوة والوزارة مع اتحاد المقصود ، للسائل أن يسأل عن ذلك ؟
والجواب عنه ، والله أعلم : محصل طي تمهيد وهو أن السور المتردد فيها ذكر الرسل ، عليهم السلام ، منوطاً فيها ذكرهم بذكر أممهم ، وما كان من معاندة الأمم وتكذيبهم ، وأخذ المكذبين بمرتكباتهم ، ولا تكاد تجد سورة منها وارد فيها ذكرهم إلا على ما ذكرنا ، وأكثر تلك السور استيفاء لهذا الغرض سور ثلاث ، وهي : سورة الأعراف ، وسورة هود ، وسورة الشعراء ، ثم يليها في ذلك سورة قد أفلح ، وقل ما تجد سورة ورد فيها قصة منها واحدة فصاعداً إلا جارية على ما ذكرته ، وربما أجمل ذلك في بعضها مع تحصيل ما ذكرنا من أخذ الأمم بعد تكذيبهم ، وآخر سورة ذكرت فيها قصصهم معتمداً فيها ما اطرد من أخذ كل أمة يتكذيبها ، وآخر سورة ذكرت فيها قصصهم معتمداً فيها ما اطرد من أخذ كل أمة بتكذيبها ، وبيان ما به أهلكت من الغرق والريح والصيحة والحاصب وعنيف الأخذ بالعزة والاقتدار سورة القمر مع إيجاز القصص ، ولم يرد في غير هذه السورة الوفاء بما ذكرنا ، وإنما خصت هذه السورة ببيان كيفية أخذ المكذبين كما بينته في كتاب البرهان ، ثم إن سورة مريم تضمنت طائفة عظيمة فصل ذكر بعضهم وأجمل ذكر البعض ، وقد تجرد فيها من الإخبار بأحوالهم ذكر التعريف بخصائص من منحهم وعلى أقدارهم ، وما أيدوا به من ذلك ، من غير أن يشوب هذا ذكر شيء من تكذيب من كذب منهم ، إلا ما ورد في ذكر إبراهيم عليه السلام ، من قول أبيه له : ( أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ . . . . ) ( مريم : 46 ) ، ولم يذكر من حال قومه ، عليه السلام ، شيء ، ولا ذكر فيما بعد ولا فيما تقدم من هذه السورة ( إلا خصائصهم ومنحهم العلية التي بها امتازوا عمن سواهم من صالحي الأمم ) كما تقيدت به مما ذكرنا .
ثم إن النبوة أعظم خصائصهم التي تساووا في تحمل أمانتها ، وأفردوا ، عليهم الصلاة والسلام ، ( بها ) ، ولم يشاركهم فيها غيرهم ، أما اسم الوزارة والوصف بها فليس مما يخصهم ولا مما أفردوا به ، فلم يكن وصف هارون ، عليه السلام ، هنا ( بها ) ليناسب هذا القصد العلي ولا ليلائمه . وأما قوله تعالى في سورة الفرقان : ( وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ) ( الفرقان : 35 ) فمرتب على سؤال موسى عليه السلام في سورة طه في قوله : ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ ) ( طه : 29 - 30 ) ، فأعطى عليه السلام مطلبه . قال تعالى : ( وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ) ، ورد هذا على الترتيب المتقرر في المصحف . ثم إن ما اتصل بهذه الآية وآية سورة مريم مما قبلهما وبعدهما يستدعي
ملاك التأويل — صفحة 329
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٣٢٩