الرازي قال : سمعتُ عَليّ بْن الْحُسَيْن بْن الجُنَيْد يقول : سمعتُ يَحْيَى بْنَ مَعِين يَقُولُ : إنا لَنَطْعَنُ على أقوامٍ لعلَّهم قد حَطُّوا رِحالَهُمْ في الجنة منذ أكثَرَ من مِئَتَيْ سَنَةٍ ( 1 ) .
قال ابن مَهْرُوْيَهْ : فدخلتُ على عبد الرحمن ابن أبي حاتم ، وهو يَقْرَأُ على الناس كتابَ " الجَرْحِ والتعديل " ، فحدَّثْتُهُ بهذه الحكايةِ ، فَبَكَى ، وارتعَدَتْ يداه حتَّى سقَطَ الكتابُ مِنْ يده ، وجعَلَ يبكي ويَسْتَعِيدني الحكايةَ ، ولم يَقْرَأْ في ذلك المجلسِ شيئًا ، أو كما قال .
وقال محمد بن الفضل العَبَّاسي ( 2 ) : « كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتمٍ وهو ذا يَقْرَأُ علينا " كتابَ الجَرْحِ والتعديل " ، فدخَلَ عليه يوسفُ بنُ الحُسَيْن الرازي ، فقال له : يا أبا محمَّد ، ما هذا الذي تَقْرَؤُهُ على الناس ؟ قال : كتابُ صَنَّفْتُهُ في الجَرْحِ والتعديل ، فقال : وما الجَرْحُ والتعديل ؟ فقال : أُظْهِرُ أحوالَ أهلِ العلم ، مَنْ كان منهم ثِقَةً أو غيرَ ثقة ، فقال له يوسف بن الحُسَيْن : استَحَيْتُ لك يا أبا محمد ، كم مِنْ هؤلاءِ القومِ قد حَطُّوا رواحلهم في الجَنَّة منذ مِئَةِ سنةٍ ، ومِئَتَيْ سنةٍ ، وأنت تَذْكُرُهُمْ وتغتابهم على أَدِيمِ الأرضِ ؟ فبكى عبد الرحمن ، وقال : يا أبا يعقوبَ ، لو سَمِعْتُ هذه الكلمةَ قبل تَصْنيفي هذا الكتابَ ، لَمَا صَنَّفْتُهُ » .
هامش
( 1 ) ذكر الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ( 13 / 268 ) هذه الحكاية ، وانتقد هذه العبارة بقوله : " قلت : لعلَّها : من مئة سنة ؛ فإن ذلك لا يبلغ في أيام يحيى هذا القدر " .
( 2 ) " تاريخ دمشق " ( 35 / 364 ) .