تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى مذهب الحق من أصول التوحيد — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
ثمَّ ان الْمُعْتَزلَة رجعُوا إِلَى قَول أهل السّنة فِي هَذَا بعد التعسف الشَّديد فِي تَأْوِيل الْقُرْآن وَالسّنة وَاجْتمعت الْكَلِمَة فِي الْحَقِيقَة على أن الله تَعَالَى على كل شَيْء قدير وعَلى مَا يَشَاء لطيف وَمَا بَقِي الا اللجاج فِي المراء بَين أهل الْكَلَام كَمَا أوضحت ذَلِك فِي الْبَحْث الْخَامِس من هَذِه الْمَسْأَلَة أَعنِي مَسْأَلَة الإرادة ونزيد هُنَا وَجها لم نذكرهُ هُنَاكَ وَهُوَ ان الله تَعَالَى قد نَص على دين الاسلام انه الْفطْرَة قَالَ تَعَالَى { فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم } وَاتفقَ أهل الحَدِيث على صِحَة حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي ذَلِك وَهُوَ قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة وانما أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه وَقد ذكر الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة عَن أَكثر أهل السّنة أَن الْآيَة على عمومها فِي السُّعَدَاء والأشقياء وَاحْتج لَهُم بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي ذَلِك وَغَيره وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وانما يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه انما هُوَ فِي الأشقياء فَلَزِمَ الْمُعْتَزلَة أَن يَقُولُوا بِهِ ويتركوا قَوْلهم ان الله بني الأشقياء على بنية علم مَعهَا انه لم يبْق لَهُم لطف فِي مقدوره وَلزِمَ أهل السّنة أَن يَقُولُوا بِهِ وَلَا يعتقدوا ان أَحَادِيث الْقَضَاء وَالْقدر مبطلة للاختيار وَلَا لحجة الله تَعَالَى وَفِي الْحَقِيقَة ان الْجَمِيع قد فعلوا بِمُقْتَضَاهُ لَكِن أهل السّنة بالنصوص الصَّرِيحَة الْكَثِيرَة والمعتزلة فِي بعض الْمَوَاضِع كَمَا تقدم فِي الْبَحْث الْخَامِس على أن هَذِه الْآيَة وَهَذَا الحَدِيث عِنْد الْمُعْتَزلَة مِمَّا يصولون بِهِ على أهل السّنة وَلَيْسَ كَذَلِك بل هما على الْمُعْتَزلَة لَا لَهُم وانما ظنُّوا ذَلِك لأنهما حجتان على الجبرية وهم يَعْتَقِدُونَ الا العارفين مِنْهُم ان أهل السّنة كلهم جبرية فَهَذَا سَبَب وهمهم وَأما كَونهمَا على الْمُعْتَزلَة فلقولهم ان اللطف غير مَقْدُور لله تَعَالَى وتعليلهم ذَلِك بأنه تَعَالَى بنى الأشقياء على بنية لَا تقبل اللطف ثمَّ ان أهل السّنة يلزمونهم تعجيز الرب تَعَالَى بذلك وهم يأبون ذَلِك وَيَقُولُونَ انه غير قَادر على اللطف وَلَا يُوصف بِالْعَجزِ وانما قَالُوا ذَلِك لاعتقادهم أَن اللطف بالأشقياء محَال كوجود ثَان لله تَعَالَى عَن ذَلِك
إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى مذهب الحق من أصول التوحيد — صفحة 269 | محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )