فعله والإرادة أَهْون من التعذيب نَفسه وَأَقل مضرَّة مِنْهُ فَكيف يعقل أَن يكون التعذيب وَاجِبا على الله تَعَالَى وارادته مِنْهُ قبيحة
فان قَالُوا انما قبحناها إذا وَقعت مُتَقَدّمَة لمعاصيهم لأنهم حِينَئِذٍ غير مستحقين لذَلِك قُلْنَا انها لم تعلق بهم حِينَئِذٍ وانما تعلّقت بهم حِين الِاسْتِحْقَاق لأنه لم يرد أَن يُوقع بهم الْعَذَاب قبل ذَلِك بل بعده والعزم على مثل ذَلِك من مثلنَا حسن عقلا فَكَذَلِك الإرادة الْمُتَقَدّمَة فِي حَقه تَعَالَى وَقد ورد السّمع بتقدمها وَالدَّلِيل على من ادّعى قبح ذَلِك
وَالْقَوْل بَان عَذَاب الْآخِرَة حق رَاجِح مُشْتَمل على الْعدْل والمصالح الَّتِي هِيَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه هُوَ قَول البغدادية وَطَائِفَة كَثِيرَة من السّلف وَالْخلف وَمن تَبِعَهُمْ من أهل السّنة كَمَا نَصره ابْن تيمة وَأَصْحَابه وَأَجَازَ ذَلِك الْغَزالِيّ فِي الْمَقْصد الأسنى وَاحْتج عَلَيْهِ كَمَا تقدم وَيدل على ذَلِك اقسام الله تَعَالَى فِي غير آيَة على وُقُوعه وتسميته حَقًا فِي قَوْله تَعَالَى { وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم } وانما يخْتَلف هَؤُلَاءِ فِي قدر الْعَذَاب الْمُشْتَمل على الْمصَالح الراجحة فَمنهمْ من جوز ذَلِك فِيهِ مُطلقًا وَلَو مَعَ الخلود والدوام الَّذِي لَا نِهَايَة لَهُ وَمِنْهُم من جوزه فِيهِ مُطلقًا الا فِي الخلود
وَاخْتلفُوا أَيْضا هَل دلَالَة السّمع على الخلود قَاطِعَة أم لَا لوُرُود الِاسْتِثْنَاء فِيهِ فِي الْقُرْآن والْحَدِيث الا تَحِلَّة الْقسم ولغير ذَلِك كَمَا تقدّمت اليه الإشارة فِي مَسْأَلَة الْحِكْمَة وَهُوَ مَبْسُوط فِي موَاضعه فقد صنفت فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مصنفات مُسْتَقلَّة
وَالْعجب مِنْهُم كَيفَ يمْنَعُونَ تقدم إِرَادَته مَعَ مثل هَذِه الْأَقْسَام الْمُؤَكّدَة السَّابِقَة من الله تَعَالَى على فعله وتسميته حَقًا وَلم يبْق بَينهم خلاف وَبَين أهل السّنة الا فِي تَجْوِيز تقدم ارادته لذَلِك والنصوص شاهدة لأهل السّنة بتقدمها وَكَذَلِكَ الْعُقُول
أما النُّصُوص فَمثل قَوْله تَعَالَى { وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل فدمرناها تدميرا }
إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى مذهب الحق من أصول التوحيد — صفحة 266
مساهمون: محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
ص٢٦٦