وَزَعَمَ آخَرُونَ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا اقْتَضَتْ إِبَاحَةَ الطَّلاقِ عَلَى الْإِطْلاقِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ زَمَانٍ ، نزل قوله : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ } 1 أَيْ : مِنْ قَبْلِ عِدَّتِهِنَّ وَذَلِكَ أَنْ تُطَلَّقَ الْمَرْأَةُ فِي زَمَانِ طهرها لتستقبل الاعتداد بِالْحَيْضِ 2 .
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ لا يَفْهَمُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ الطَّلاقُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبُيِّنَ فِي الأُخْرَى كَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يُوقَعَ . ثُمَّ إِنَّ الطَّلاقَ وَاقِعٌ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي زَمَانِ الْحَيْضِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ تَعْلِيمُ أَدَبٍ وَالصَّحِيحُ أن الآية محكمة 3 .
هامش
1 الآية الأولى من سورة الطلاق .
2 قال مكي بن أبي طالب : في الإيضاح ص : 149 - 150 ، ( وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ } . وهذا قول بعيد ، بل الآيتان محكمتان في معنيين مختلفين لا ينسخ أحدهما الآخر : فآية البقرة ذكر الله فيها بيان عدد الطلاق وآية الطلاق ذكر الله فيها بيان وقت الطلاق فهما حكمان مختلفان معمول بهما لا ينسخ أحدهما الآخر لتباين معنييهما ) .
3 قلت : لم يتعرص المؤلف في مختصر عمدة الراسخ ولا في زاد المسير لدعوى النسخ في هذه الآية أصلاً . كما لم يذكرها من المنسوخة أحد من ابن حزم الأنصاري وهبة الله ابن سلامة ، وابن هلال في نواسخهم ، بل إنما ذكروا بأنها ناسخة لقوله : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ } وأما الإمام أبو جعفر النحاس فقد أورد في هده الآية ثلاثة آراء :
الأوّل : أنها ناسخة .
والثاني : أنها منسوخة .
والثالث : أنها محكمة . انظر : معرفة الناسخ والمنسوخ ص : 324 ؛ والناسخ والمنسوخ لهبة الله ص : 25 ؛ والإيجاز في الناسخ والمنسوخ المخطوط ورقة 20 ؛ والناسخ والمنسوخ للنحاس ص : 67 - 68 .