ذِكْرُ الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى } إلى قوله : { اللاّعِنُونَ } 1 .
قد زعم قوم مِنَ الْقُرَّاءِ ( الَّذِينَ ) 2 قَلَّ حَظُّهُمْ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفِقْهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَهَا 3 ولو كان لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ ، لَعَلِمُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِنَسْخٍ وَإِنَّمَا هُوَ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا شَمَلَهُ اللَّفْظُ ، وَيَنْكَشِفُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ .
أحدهما : أَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ لا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا إِلا بِتَرْكِ الْعَمَلِ بالآخر ، وههنا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْجُمَلَ إِذَا دَخَلَهَا الِاسْتِثْنَاءُ يَثْبُتُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَكُنْ مُرَادًا دُخُولُهُ فِي الْجُمْلَةِ الباقية وَمَا لا يَكُونُ مُرَادًا بِاللَّفْظِ الأَوَّلِ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ النَّسْخُ 4 .
هامش
1 الآية ( 159 ) من سورة البقرة .
2 في ( ه - ) : الذي ، وهو خطأ .
3 ذكره مكي بن أبي طالب عن يحيى بن حبيب بن إسماعيل الأسدي ، ثم قال : إنه وهم منه . انظر : الإيضاح ص : 214 .
4 قلت : أورد دعوى النسخ هنا كل من ابن حزم الأنصاري في ناسخه ( 320 ) وهبة الله بن سلامة في ناسخه ( 14 ) ، وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة ( 17 ) كلهم قالوا : إنها منسوخة بالاستثناء ، ثم رد ابن هلال ، على ذلك . وأما المؤلف فقد أورد قول النسخ في كتابيه التفسير 2 / 166 ، ومختصر عمدة الراسخ ورقة ( 3 ) ثم رد عليه بمثل مارد به هنا .