قَالَ الْمُهَلَّبُ :
وَعَلَى وَهْمِهِ يَظُنَّ القَارِئُ لَهُ أَنَّهُ عَليهِ السَّلاَمُ بَدَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِم بِالْيَمِينِ , عَلَى حُكْمِ سَائِرِ الْحُقُوقَ ( 1 ) ، وَقَدْ أَبَى الله عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ في الدِّمَاءِ ، وَجَعَلَ قَوْلَ صَاحِبِ الدَّمِ مُبَدأً فِي كِتَابِهِ ، بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } إِلى { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ } فَلَّمَا أَحْيَا اللهُ تَعَالَى الْقَتِيلَ وَقَالَ : فُلاَنٌ قَتَلَنِي ، وَأَخَذَ الله بَنِي إِسْرَائِيلَ بِقَوْلِهِ ، وَهُو صَاحِبُ الدَّمِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ بَعْدَهُ إِلى مَنْ دَرَأَ عَنْ نَفْسِهِ الدَّعْوَى بِالْإِنْكَارِ ( 2 ) ، وَلِذَلِكَ فَهِمَهَا رَسُولُ الله صَلَّى الله
هامش
( 1 ) لاَ يَعْزُبَنَّ عَنْكَ أَنَّ الأَصْلَ فِي الدَّعَاوَى هُوَ : أَنَّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، إلا أن مسألة الباب أعني الْقَسَامَة أَصْل بِنَفْسِهِ ، خَالَفَ سَائِرَ الدَّعَاوَى ، بَيَّنَ بَعْضُهُم عِلَّةَ هَذِهِ الْمُخَالَفَة فَقَالَ : ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَى الْقَتْل فِيهَا غَالِبًا ، فَإِنَّ الْقَاصِد لِلْقَتْلِ يَقْصِد الْخَلْوَة وَيَتَرَصَّد الْغَفْلَة ، وَتَأَيَّدَتْ بِذَلِكَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الْمُتَّفَق عَلَيْهَا وَبَقِيَ مَا عَدَا الْقَسَامَة عَلَى الأَصْل .
قَالَ : ولَيْسَ ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ الأَصْل بِالْكُلِّيَّةِ ، بَلْ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ الْقَوْل قَوْله لِقُوَّةِ جَانِبه بِشَهَادَةِ الأَصْل لَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا ادُّعِيَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَوْجُود فِي الْقَسَامَة فِي جَانِب الْمُدَّعِي لِقُوَّةِ جَانِبه بِاللَّوْثِ الَّذِي يُقَوِّي دَعْوَاهُ .
( 2 ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُفْرَدَاتِ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ وَوَافَقَهُ الَّليْثُ ، فَإذَا قَالَ الْمَرِيضُ : دَمِي عِنْد فُلاَن أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَر أَوْ جُرْح أوجب قوله الْقَسَامَة عِنْدهما ، وَاشْتَرَطَ بَعْض الْمَالِكِيَّة الأَثَر أَوْ الْجُرْح ، وَقد احْتُجَّ المهلب وغيره بِقِصَّةِ بَقَرَة بَنِي إِسْرَائِيل .
وَمَعْ خَفَاءِ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ - وكَوْنِهَا مِنْ غَامِضِ اخْتِرَاعِهِمْ كَمَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فقَدْ تَوَلَّى أَبُومحمد بْنُ حَزْم مُنَاقَشَةَ ذَلِكَ في الْمُحَلَّى ، فَانْظُرْهُ : في المجلد 11 ، ص 80 ، وَالله الْمُوَفِّقُ .