تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختصار الصحيح البخاري ( المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح ) — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
وَالثَّالِثَةِ : قَوْلِهِ « فَيَحْلِفُونَ » قَالَوا : لاَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ ، فَوَهِمَ وَأَسْقَطَ بَعْضَ الْحَدِيثِ الَّذِي حَفِظَهُ الأَئِمَّةُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : « فَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ قَاتِلِكُم » قَالَوا : لَمْ نَشْهَدْ ، قَالَ : « فَيَحْلِفُونَ » ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قَدْ سَلَكَ الْحَافِظُ مَسْلِكًا آخَرَ ، وَجَنَحَ إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي ارْتَضَاهُ فَقَالَ مُعَقِّبًا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُبَيْدٍ : كَذَا فِي رِوَايَة سَعِيد بْن عُبَيْد لَمْ يَذْكُر عَرْض الأَيْمَان عَلَى الْمُدَّعِينَ ، كَمَا لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن سَعِيد طَلَب الْبَيِّنَة أَوَّلًا ، وَطَرِيق الْجَمْع أَنْ يُقَالَ : حَفِظَ أَحَدُهُمْ مَا لَمْ يَحْفَظ الْآخَر ، فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ الْبَيِّنَة أَوَّلًا فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَة ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الأَيْمَان فَامْتَنَعُوا ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ تَحْلِيف الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا . وَأَمَّا قَوْل بَعْضهمْ : إِنَّ ذِكْر الْبَيِّنَة وَهْمٌ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ خَيْبَر حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بِهَا أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَدَعْوَى نَفْي الْعِلْم مَرْدُودَة ، فَإِنَّهُ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْكُن مَعَ الْيَهُود فِيهَا أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ فِي نَفْس الْقِصَّة أَنَّ جَمَاعَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَرَجُوا يَمْتَارُونَ تَمْرًا ، فَيَجُوز أَنْ تَكُون طَائِفَة أُخْرَى خَرَجُوا لِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْس الأَمْر كَذَلِكَ ؟ ! . وَقَدْ وَجَدْنَا لِطَلَبِ الْبَيِّنَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة شَاهِدًا مِنْ وَجْه آخَر : أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الأَخْنَس عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه : أَنَّ اِبْن مُحَيِّصَة الأَصْغَر أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَاب خَيْبَر ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَقِمْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ أَدْفَعْهُ إِلَيْك بِرُمَّتِهِ " قَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَنَّى أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابهمْ ؟ قَالَ : " فَتَحْلِف خَمْسِينَ قَسَامَة " قَالَ : فَكَيْف أَحْلِف عَلَى مَا لاَ أَعْلَم ، قَالَ : " تَسْتَحْلِفُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ " قَالَ : كَيْف وَهُمْ يَهُود ، وَهَذَا السَّنَد صَحِيح حَسَن ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْحَمْل الَّذِي ذَكَرْته فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُودَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبَايَة بْن رِفَاعَة عَنْ جَدّه رَافِع بْن خَدِيج قَالَ : أَصْبَحَ رَجُل مِنْ الأَنْصَار بِخَيْبَر مَقْتُولًا ، فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَتْل صَاحِبكُمْ " قَالَ : لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا هُمْ الْيَهُود وَقَدْ يَجْتَرِئُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا أه‍ قلتُ : وَلَمْ يَذْكُر كَلامَ الْمُهَلَّب وَلاَ حُجَّتَهُ ، وَالّذي يَظْهَرُ أنَّ ابْنَ عُبَيدٍ اخْتَصَرَ الْحَديثَ فَلَمْ يُحْسِن الاخْتِصَارَ ، وَوَقَعَ في هَذَا الَّلبْس ، وَالله أَعْلَم . إلاَّ أنَّ البُخَارِيّ لَهُ في الْقَسَامَةِ رَأْيٌ يُوَافِقهُ حَديثُ ابنُ عُبيدٍ وَلِذَلِكَ سَاقَهُ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ ، ولَمْ يُورِد فِيه الطَّرِيق الدَّالَّة عَلَى تَحْلِيف الْمُدَّعِي ، وَهِيَ المسألة التي خَالَفَتْ فِيهِ الْقَسَامَة بَقِيَّة الْحُقُوق ، نَبَّهَ على ذلك اِبْنُ الْمُنِير فَقَالَ : مَذْهَب الْبُخَارِيّ تَضْعِيف الْقَسَامَة ، فَلِهَذَا صَدَّرَ الْبَاب بِالأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى أَنَّ الْيَمِين فِي جَانِب الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَأَوْرَدَ طَرِيق سَعِيد بْن عُبَيْد وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِد ، وَإِلْزَام الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّة الْقَسَامَة فِي شَيْء . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث الْقَسَامَة الدَّالّ عَلَى خُرُوجهَا عَنْ الْقَوَاعِد بِطَرِيقِ الْعَرْض فِي كِتَابِ الْمُوَادَعَة وَالْجِزْيَة فِرَارًا مِنْ أَنْ يَذْكُرهَا هُنَا فَيَغْلَط الْمُسْتَدِلّ بِهَا عَلَى اِعْتِقَاد الْبُخَارِيّ . قَالَ : وَهَذَا الْإِخْفَاء مَعَ صِحَّة الْقَصْد لَيْسَ مِنْ قَبِيل كِتْمَان الْعِلْم . قَالَ الْحَافِظُ : الَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْبُخَارِيّ لاَ يُضَعِّف الْقَسَامَة مِنْ حَيْثُ هِيَ ، بَلْ يُوَافِق الشَّافِعِيّ فِي أَنَّهُ لاَ قَوَد فِيهَا ، وَيُخَالِفهُ فِي أَنَّ الَّذِي يَحْلِف فِيهَا هُوَ الْمُدَّعِي ، بَلْ يَرَى أَنَّ الرِّوَايَات اِخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ فِي قِصَّة الأَنْصَار وَيَهُود خَيْبَر فَيُرَدّ الْمُخْتَلَف إِلَى الْمُتَّفَق عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَ رِوَايَة سَعِيد بْن عُبَيْد فِي بَابِ الْقَسَامَة وَطَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد فِي بَابِ آخَر ، وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ تَضْعِيف أَصْل الْقَسَامَة وَاَللَّه أَعْلَمُ .