تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
631 - وإِذ قد عرفتَ ما قررناه من أنَّ من شأنِ الجملة أن يصير معناها بالبناء عليها شيئاً غيرَ الذي كان ، وأنه يتغيِّر في ذاته ، فاعلم أن ما كان من الشعر مثل بيت بشار : كأن مثار النقع فوق روسنا . . . وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه 1 وقول امرئ القيس : كأنَّ قُلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابساً . . . لَدى وَكْرِها العناب والحشف البالي 2 وقول زياد : وإِنّا وما تُلقِي لَنا إنْ هجَوْتَنا . . . لَكالبحر مَهْما يُلْقَ في البحرِ يَغْرَقِ 3 كان له مزيةٌ على قول الفرزدق فيما ذكرنا ، لأنك تجدُ في صدرِ بيتِ الفرزدق جملة تؤدي معنى ، وإِن لم يكن معنى يصحُّ أن يقال إنه معنى فلان ، ولا تجدُ في صدر هذه الأبيات ما يصح أن بعد جملة تؤدي معنى ، فضلاً عن أن تؤدي معنى يقال إنه معنى فلان . ذاك لأن قولَه : " كأَنَّ مُثارَ النقع " إلى : " وأسيافنا " ، جزءٌ واحدٌ و " ليل تهاوى كواكبه " بجملته الجزء الذي ما لم تأتِ به لم تكن قد أتيت بكلام . وهكذا سبيل البيتين الآخرين . فقولهُ : " كأنَّ قُلوبَ الطيرِ رَطْباً ويابساً لدى وَكْرِها " جزءٌ وقولهُ : " العنابُ والحَشفُ البالي " الجزء الثاني وقوله : " وإنَّا وما تُلْقي لنا إِنْ هَجَوتَنا " جزء ، وقوله : " لكالبحرِ ، الجزء الثاني ، وقولُه : " مهما تلقِ في البحر يغرقِ " ، وإن كان جملة مستأنفة ليس لها في الظاهر تعلق بقوله : " لكالبحر " ، فإِنها لما كانت مبيِّنة لحال هذه التشبيه ، صارتْ كأنَّها متعلَّقة بهذا التشبيه ، وجرى مجرى أن تقول : " كالبحر في أنَّه لا يُلقى فيه شيء إلا غرق " .
هامش
1 سلف في رقم : 84 ، 485 . 2 سلف في رقم : 84 . 3 سلف في رقم : 84 .