تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
وهكذا يكون الأمرُ أبداً ، كلَما زدتَ شيئاً ، وجدتَ المعنى قد صارَ غير الذي كان . ومن أجلِ ذلكَ صَلُح المجازاةُ بالفعل الواحد ، إذا أتى به مطلقًا في الشطر ، ومعدى إلى شيء في الجزاء ، كقوله تعالى : { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ } [ الإسراء : 7 ] ، وقولِه عزَّ وجل : { وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِين } [ الشعراء : 130 ] ، مع العلم بأن الشرطَ ينبغي أن يكونَ غيرَ الجزاء ، من حيثُ كان الشرطُ سبباً والجزاءُ مسبِّباً ، وأنه محال أن يكونَ الشيء سبباً لنفسِه . فلولا أن المعنى في " أحسنتُم " الثانية ، غيرُ المعنى في الأولى ، وأَنها في حكيم فعلٍ ثانٍ ، لما سَاغ ذلك ، كما لا يسوغ أن تقول : " إنْ قمتُ قمتَ ، وإن خرجتُ خرجتَ " ، ومثلُه من الكلام قولُه : " المرءُ بأصغريه ، أن قال قال بيان ، وإن صالَ صالَ بجَنانٍ " 1 ، ويجري ذلك في الفعلين قد عُدِّيا جميعاً ، إلا أن الثاني منهما قد تعدى إلى شيء زاد على ما تعدَّى إليه الأول ، ومثالهُ قولُك : " إن أتاك زيدٌ أتاك لحاجة " ، وهو أصلٌ كبير . والأدلةُ على ذلك كثيرة ، ومن أولاها بأن يحفظ : أنك ترى البيتَ قد استحسنه الناسُ وقَضَوا لقائله بالفضلِ فيه ، وبأنَه الذي غاصَ على معناه بفكره ، وأنه أبو عُذْره ، ثم لا ترى ذلك الحسنَ وتلك الغرابة كانا ، إلا لِما بناهُ على الجملةِ دونَ نفسِ الجملةِ . ومثالُ ذلك قول الفرزدق : وما حملت أم امرئ في ضُلوعها . . . أعقَّ منَ الجاني عَليها هِجائيا 2 فلولا أن معنى الجملة يصيرُ بالبناءِ عليها شيئاً غيرَ الذي كان ، ويتغيَّر في ذاتِه ، لكان محالاً أن يكونَ البيتُ بحيثُ تراه من الحسن والمزية ، وأن يكون معناه
هامش
1 من كلام ضمرة بن ضمرة ، لما دخل على النعمان بن المنذر ، البيان والتبيين 1 : 171 . 2 في ديوانه ، ثم انظر الفقرة التالية رقم : 640 ، ولهذا البيت ، ولما قبله من هذه الفقرة ، ورقم : 632 ، أيضًا .