تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
بَيانُ هذا ، أَنَّا نَعْلم أَنَّك لا تقولُ ، " رأيتُ أسداً " ، إِلاَّ وغَرضُكَ أَن تُثْبِتَ للرجُل أَنه مساوٍ للأَسد في شجاعته وجُرْأته ، وشدَّة بطْشه وإقدامه ، وفي أنَّ الذعْرَ لا يُخامرُه ، والخوف لا يعرف له . ثم تَعْلم أَنَّ السامعَ إِذا عَقَل هذا المعنى لم يَعقِلْه من لفظِ " أسَد " ، ولكنَّه يَعقِلُه من معناه ، وهو أنه يَعْلم أَنه لا معنى لجعله " أسداً " ، مع العلم بأنه " رجُل " إلاَّ أنك أردْتَ أنه بلغَ من شدة مشابهته للأسد وماواته إِياه ، مبْلغاً يُتَوهَّم معه أَنه أَسدٌ بالحقيقة ، فاعرفْ هذه الجملة وأحسن تأملها . الاستعارة ، يراد بها المبالغة لا نقل اللفظ عما وضع له في اللغة : 508 - واعلمْ أَنكَ تَرى الناسَ وكأنهم يرَوْن أَنك إِذا قلتَ : " رأيتُ أسَداً " ، وأنتَ تُريد التشبيهَ ، كنتَ نقلْتَ لفْظَ " أسدٍ " عما وُضع له في اللغة ، واستعملْتَه في معنى غيرِ معناه ، حتى كأنْ ليس " الاستعارةُ " إلاَّ أن تَعْمدَ إِلى اسْم الشيءِ فتجعلَه اسماً لشبيههِ ، وحتى كأن لا فصل بين " الاستعارة " ، وبين تسمة المطرِ " سماءً " ، والنَّبتِ " غيثاً " ، والمزادةِ " راوية " ، وأشباهِ ذلك مما يوقع فيه اسم الشء على ما هو منه بسبَبٍ ، ويَذْهبون عمَّا هو مركوزٌ في الطِّباع من أنَّ المعنى فيه المبالَغةُ 1 ، وأَنْ يُدَّعى في الرجُل أَنه ليسَ برجُل ، ولكنه أَسدٌ بالحقيقة ، وأَنه إِنما يُعار اللفظُ مِنْ بَعْد أنْ يعارَ المعنى ، وأَنه لا يُشْرَكُ في اسم " الأسدِ " ، إلاَّ مِنْ بَعْد أن يُدْخَل في جنس الأَسدِ . لا تَرى أحداً يَعْقِل إِلاَّ وهُو يَعْرفِ ذَلك إِذا رجعَ إِلى نفسه أدنى رُجوعٍ . ومِن أجْل أَنْ كانَ الأمرُ كذلك ، رأيتَ العقلاءَ كلَّهم يُثْبِتون القولَ بأنَّ مِن شأْنِ " الاستعارةِ " أن تكونَ أبداً أَبلغَ من الحقيقة ، وإِلا فإن كان ليس
هامش
1 في المطبوعة وحدها : " المعنى فيها " .