تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
النظر في " الكناية " : 506 - وإذْ قد عرفْتَ هذه الجملةَ ، فينبغي أنْ تنظر إلى هذ هالمعاني واحداً واحداً ، وتعْرِفَ مَحْصولَها وحقائقَها ، وأنْ تَنظُرَ أولاً إِلى " الكنايةِ " ، وإِذا نظرْتَ إِليها وجدْتَ حقيقتهَا ومحْصولَ أمرِها أَنها إثباتٌ لِمعنىً ، أنتَ تَعْرِفُ ذلك المعنى مِنْ طريقِ المعقولِ دونَ طَريق اللفظ . ألاَ ترى أَنكَ لَمَّا نظرْتَ إلى قولهم : " هو كثيرُ رَمادِ القِدْر " ، وعرفْتَ منه أنَّهم أرادوا أَنه كثيرُ القِرى والضِّيافة ، لم تعرِفْ ذلك مِنَ اللفظِ ، ولكنَّك عرفْتَه بأن رجَعْتَ إِلى نَفْسك فقلتَ : إِنه كلامٌ قد جاء عنهم في المدح ، ولا معنى للمدح بكثرة الرمادِ ، فليس إِلا أَنَّهم أرادوا أن يَدلُّوا بكَثرْة الرماد على أَنه تُنْصَبُ له القدورُ الكثيرةُ ، ويُطْبخ فيها للقِرى والضيافةِ ، وذلك لأَنه إِذا كَثُرَ الطبخُ في القدورِ كثُرَ إحراقُ الحطَبِ تَحتَها ، وإِذا كثُرَ إِحراقُ الحطَبِ كَثُرَ الرمادُ لا محالة . وهكذا السبيلُ في كلِّ ما كانَ " كنايةً " فليسَ مِنْ لَفْظِ الشعر عرفتَ أنَّ ابنَ هَرْمة أرادَ بقوله : ولا أبتاعُ إِلاَّ قريبةَ الأجَلِ 1 التمدُّحَ بأنه مضيافٌ ، ولكنك عرفْتَه بالنَّظرِ اللطيفِ ، وبأنْ علِمْتَ أنه لا معنى للتمدُّح بِظاهرِ ما يَدُلُّ عليه اللفظُ من قُرْبِ أجَلِ ما يَشْتريهِ ، فطلبْتَ له تأويلاً ، فعلمْتَ أَنه أرادَ أنه يَشْتري ما يَشْتريهِ للأَضياف ، فإِذا أشترى شاةً أو بعيراً ، كان قد اشترى ما قد دَنا أجلهُ ، لأنه يُذْبحُ ويُنْحرُ عن قَريبٍ . النظر في " الاستعارة " : 507 - وإذا قد عرفْتَ هذا في " الكناية " ، " فالاستعارةُ " في هذه القضية 2 . وذاكَ أنَّ موضوعَها على أنك تثبت بها معنى لا يعرف السامع ذاك المعنى من اللفظِ ، ولكنَّه يَعرفُه من معنى اللفظ .
هامش
1 مضى الشعر برقم : 502 ، ص : 426 ، تعليق : 1 2 " في هذه القضية " ، يعني أنه القول في " الاستعارة " مشابه للقول في " الكناية " .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 431 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر